wrapper

صفحة الكاتب عبد الكريم الصابري

صفحة الكاتب عبد الكريم الصابري (40)

نحن الرابحون

  

على صخرةٍ ، جلس والناي في يديه ، كانت امواج البحر كصفوف قصيبات من مطاطٍ ليّنٍ يتدحرج . حيث كان السكون والبحر هادئ ، تتعاقب الامواج ثم سرعان ما تتلاشى الامواج المقتربة من مكان جلوسه ... كانت الصخرة الوحيدة التي تجاور قصيبات سياج داره الطيني ...وضع الناي في فمه ونفخ نغمة ، كانت النغمة تصل حتى داره حيث السكون في فجر هذا اليوم ....ثم نفخ نغمة ، شاركت دجاجته نغمتَه نغمتها ، بقاقٍ وقيق علامة المخاض في وضع بيضة ..دارت ومطّت رقبتها رافعة راسها عاليا )قاق ، قيق ( ، ثم دارت ومطت رقبتها رافعة راسها عاليا ) قيق ( ، سكتت ، سقطت بيضة ..هدأت واستقرت ، توقفت نغمتها .... تقربت امه مقوّسة الظهر ، منتفخة البطن تسند نفسها بيدها على خصرها ، تخطو خطوات ثقيلة ، مدت يدها الى البيضة فحصّلت نقرة ، ثم عادت الكرّة فتكررت النقرة ..بينما دجاجة اخرى نائمة في عشِّ قشٍّ ، تحضن بيضها المفقوس وقد نزعت الكثير من ريشها وبان جلدها وظهر ضعفها في قلّة حركتها وانقطاع اكلها .... ثم نفخ نغمة ولا زال السكون وصوت النغمة مسموع ... نفخ نغمة ثم نغمة ، ردت عليه امه بصرخة ، ثم صرخة ، ثم صرخة ، علامة المخاض لوضع و ليد .... نفخ نغمة فصرخ الوليد يبشر الحياة ..انها مستمرة
نفخ نغمة ، فشاركت امواج البحر ، صراخ الوليد ، تبشر الحياة ، انها مستمرة ....استمر ينفخ النغمات ، فشاركت نغماته ) كتكتة ( الكتاكيت الخارجة الى النور ، راقصة ، معلنة للحياة ..انها مستمرة .... استمر ينفخ النغمات ثم اخذ ينشد :
جئتُ من بيضة امي ، كما جاء الصرصار
احمل مخّا وقلبا ، كما يحمل الوروار
اتخاطب مع مثلي ، ومع مثله يتخاطب الهزار
احب انثاي ، وانثاه يحب الكنار
انا بعينٍ واذنٍ وكلمات ، وهم بعين واذن واصوات .
ثم نشطت الامواج بعد سباة الليل ، وصلت اليه ولطمته ، الا انه استمر ينفخ وينشد :
انا احب الكلب ، والكلب يحب العواء
انا احب الفراشة ، والفراشة تحب الضياء
انا احب الطائر ، والطائر يحب السماء
انا احب السمكة ، والسمكة تحب الماء
انا احب البحر ، والبحر يحب الاحياء
انا بقلبٍ وكلمات ، وهم بقلب واصوات
ثم جاءته موجة ولطمته ، الا انه استمر ينفخ وينشد :
ايها الانسان ، ما هي الا لحظة وفان
حب نفسك وحب الماء والحيوان
فالارض ملكك وما فيها ، فانشد لها السلام
ثم جاءت موجة عالية ولطمته وقذفته من على صخرته ..نهض واخذ يفتش عن نايه ، الا انه وجد الامواج قد اخذته بعيدا ، فصاح : ساعمل غيره واستمر بالنفخ ولا شئ يوقفني الا الموت .
دخل داره يبحث عن قصبة تصلح ان تكون نايا ، فنادته امه
----- لقد جاءك اخ .... القى عليه نظرة ، فاشمأز .. وجه مجعّد ، عينان رمصتان ، راس املس ... سالها مستغربا
--- وهل يصبح شبهي ؟. اجابته مبتسمة تجلي جهله
--- نعم ، له استدارة وجهك ، وحجم انفك ، ورموش عينيك ... سألها جاهلا
---وكيف عرفتي ذلك ؟. وانا لا اميزه بشر ... اجابته وهي تنظر الى وليدهاوتتفحص فيه وقد سالت دموع من عينيها مسحتها بكم ثوبها الاسود ثم جرّت حسرة وهمست لنفسها : ولد يتيما ..قالت
--- سيكبر وتراه ... تركت هذه الكلمات تأثيرا في نفسه ، خرج منها واخذ يفكر ) نطفة لا تراها العين ، كبرت ونمت ، ثم اصبحت وليد ، سيكبر يحمل بعض صفاتي ، سيزحف ثم يمشي ، سينطق ويتكلم ، ثم يكبر ويكبر ويشاركني الحياة ....هذا لغز لا اعرف رموزه ، ومَن يدري ربما في يومٍ ما !؟. (
استمر بالبحث عن قصبة ، فشاهد رؤوس كتاكيت تحت جناحي دجاجته ... تراءت له صورة امه وهي تحضن الوليد .. ابتسم وساءل نفسه ) انه الحب ، حب الام لاطفالها ...( ، ابتعد عن هذه الدجاجة وراح الى مكان بيض الدجاجة الثانية عسى ان يعثر على قصبة تصلح لنايٍ جديد ، اثناء بحثه تدحرجت احدي البيضات وسقطت فانكسرت ، مسكها فسال منها سائل زجاجي اللون لزجا على اصابعه ، فتح القشر بهدوء وتاني ، فشاهد المح ككرة وسط ما فيها من آح ، تمعن فيه واخذه خياله الى ابعد بتاثير ما درس ... تراءى له المح يتحرك وينقسم ، ثم ظهور نقطة حمراء ثم تشعبت منها انابيب شعرية حمراء ، ثم اخذت النقطة بالنبض .... مسك البيضة وقذفها وهو يتساءل ) أمن هذا المح والآح ، يبدأ القلب ... وماذا بعد ؟. مخ ، عيون ، عظام ، واخيرا كائن حي كامل وهو يحمل صفات الاخلاف ...كيف يتم ذلك ؟.( ..هزَّ راسه ونفض عنه خياله ، ثم استمر بالبحث عن قصبة ..وجد واحدة واخذ يهذبها ويعمل فيها شقّاً واحدا وثقوبا عدة حتى جعلها نايا بالمواصفات التي يريد ... قلّب نايه واخذ صفنة ثم قهقه : كان قصبة واصبح نايا بالمواصفات ... انا حولت هذه القصبة الى ناي ، اذن انا صانع الناي .... ولكن صنعته بتفكير مسبق ، تصور مسبق ، تخطيط مسبق .. اذن هناك تدرج ، تصور ، تخطيط ، تنفيذ ، اى عندي فكرة مسبقة عما ستصبح القصبة ، اذن هناك مَن خطط مسبقا وله فكرة مسبقة ، ما يصنع وكيف يصنع ... انه عمل تدريجي في الصنع ،لابد ان يكون في الخلق ايضا ، وهكذا جاء الكتكوت ، جاء بتدرج ، المح والآح له زمن الاسبقية على زمن القلب ، والقلب له زمن الاسبقية على الاعضاء الاخري وهكذا..لكن لا اعلم ربما المخ له زمن الاسبقية ، هذا لا يهم ، المهم هو التدرج .ولكن هل يشمل هذاالتدرج تخصص الخلايا ؟.نعم ، اذن .تدرج الزمن للخلق والصنع مهما كان الزمن متناهيا في الصغر يصعب الاحساس به ... لا ابدا لم تكن هناك نفخة واحدة ينعدم فيها الزمن .. وحتى النفخة تحتاج الى زمن .... ها ها ها ها .كل هذه صفات المادة، اولا التراكمات الكمية التي تاتي بالنوعية ... ولكن ما هي الفكرة ؟., لا فكرة من العدم .. الفكرة من الوجود .. والوجود مادة ... الفكرة من مادة المخ ، والمخ مادة افرزها وهي من مخزوناته .... هممممم ، لو قطعنا كل رؤوس البشر ، فهل تبقى الافكار ؟. لا ابدا .الافكار من افرازات المخ البشري ، مخ الانسان غير موجود ، اذن فكرهُ غير موجود .... هزَّ راسه وهرب من افكاره الى واقعه ....
عند الفجر حيث الرؤية لا زالت معتمة بعض الشئ ، نهض من فراشه فشاهد دجاجته في نهاية سباة نومها الليلي ولا زال جناحاها يحتضنان الكتاكيت التي لا تبدي حركة ، فلا زالت نائمة ، ولما مرق ، انتفضت الدجاجة فجأةً ، وهددت دون سابق انذار ، وكأن احساسها نبّهها الى خطر قادم .... انتبه اليها واستمر متجها الى البحر وبيده الناي ..ساءل نفسه : مَن الذي نبّه الدجاجة ، أهذا ما يسمى بغريزة الامومة ؟. . .. وصل البحر واخذ يملأ رئتيه بالهواء الندي حافي القدمين ، يدهس الرمل فتخرج ذراته من بين اصابع قدميه التي تترك اثرها في الرمل ، ولما وصل صخرته ، جلس عليها واخذ ينظر الى ما حوله : امواج البحر خفيفة تنساب بهدوء ، انتبه الى آثار قدميه على الرمل حتى صخرته ، فشاهد موجة تدخل اثار قدميه ، اثر بعد اثر ، تعقبها موجة ثانية وثالثة ، فلاحظ الاثر ينهدم شيئا فشيئا وببطء ، ثم اصبحت اثر بعد اثر مستوية وممسطرة كبقية الرمل ،.ساءل نفسه : اين الاثر ؟. كان موجودا هنا ثم زال ... قفز فكره الى دجاجته التي انتفضت .. )بيض محتضن ، كتاكيت ، ثم دجاجات كاملات ..هنا الحياة مستمرة ، ولكن اين اثر القدم الرملي ، لقد
اختفى ولم يخلف وراءه وجودا ، اذن الحياة تعني البقاء ؟.( .. هزّ راسه وغير تفكيره الى واقعه ..عاد الى ملاحظة البحر بعد ان وضحت الرؤية بعض الشئ ..شاهد مجاميعا هنا ومجاميعا هناك من صغار السلاحف تتجه الى البحر ، هذا يسبق هذا ، وذاك يتصدر مجموعته مرّة ، ومرة يتخلفها ... ابتسم وقال : لابد ان المتصدر هو الاقوى ؟....كل الصغار تعوم مرة ، ومرة تغطس ..الصغير منها تسيطر عليه الامواج وتؤثر على سباحته ، والكبير منها يسيطر على الامواج ولا يخضع لها في اتجاهات سباحته ... اخذ يمعن النظر واراد معرفة الهدف من سباحتها لكنه لم يهتدِ اليه ... ثم ساءل نفسه : لم يعلمهن السباحة احدٌ ، كيف اذن ؟. أهذا ما يسمى بالغريزة ؟. ما هي الغريزة ؟. أهي مادة في جسم الكائن .أهي في مخه ام في قلبه ام في دمه ؟. لابد انها مادة وإلا كيف تنتقل او تنقل نفسها الى سلف الكائن دون اسلاف الكائنات الاخرى ؟. ... بدأت الريح تتحرك بعد ان كانت هواء ساكنا ، وصارت امواج البحر تتحرك بنشاط اكثر وتتكسر على الرمال ...مسك نايه واخذ ينغم .... استمر بالنفخ واستمرت الامواج
استمر بالنفخ ، واستمرت الامواج فتطاولت بقية آثار قدميه
استمر بالنفخ ، واستمرت الامواج ، فتطاولت اثار زحف السلاحف ... ولم يبق غير الرمل الممسطر مزجته كسرات من صدف المحار...
استمر بالنفخ حتى وضحت شمس النهار .... اشتدت الامواج فاخذت تلطم صخرته وهو لا يبالي بما تحدثه له من بلل ، كانت ارادته اقوى .كان سعيدا في جلوسه ونفخه وملاحظة ما حوله ..كان ذلك اقوى من بلله ، ثم جاءته موجة ولطمته وصعد رذاذها وجهه وشعر راسه فاحسَّ بملوحة الماء ، ثم جاءته موجة ولطمته وهو ينزل من صخرته بعد ان نفّذ رغبته واكتفى من النفخ ، اخذت منه نايه ، ولما شاهده يعوم بعيدا عنه صاح : ساجلب غيره ، ساجلب غيره ، ولا انثني .
في فجر احد الايام وكعادته جلس على صخرته وناي جديد في يده متاملا ، اصبحت الرؤية تتوضح بالتدريج ، انتبه الى انه انهى وقتا في جلوسه ، فاخذ يتساءل : كيف عرفت اني اخذتُ وقتا في جلوسي ..هل بما طرأ عليّ من خدرٍ اثناء جلستي ؟... ام قستُ ذلك عن طريق تدرج وضوح الرؤية ؟.. هل الاحساس جاء من التاثير الذي حدث في جسمي ، الخدر ... ام من التاثير الذي حدث في نفسي من وضوح الرؤية التدريجي ؟... ام من ملاحظاتي للبحر وما حوله ؟.. ثم وسّع اسئلته الى ابعد .... هل احسست بالوقت الذي مرَّ علي عن طريق وضوح الرؤية التدريجي بتاثير الشمس ؟.. ام احسست به عن طريق المتغيرات التي حدثت في نفسي من ملاحظاتي البحرَ ..او من جسمي ، الخدر ؟... اثناء ما هو يفكر جاء طائر نورس من بعيد وحطَّ بالقرب منه ، فاثار هذا في نفسه
سؤال جديد ... انتقل هذا الطائر من مكان الى آخر ، اي قطع مسافة بثؤاني .. اذن قستُ ذلك بالثواني عن طريق انتقاله ، حركته ..اذن الحركة هي الوقت ، هى الزمن ... اذن تعاقب الليل والنهار هو الذي يشعرني بالوقت ، بالزمن .. اي الليل والنهار ، الفصول الاربعة المتاتية من حركات الارض الثلاث ، هو معناه الزمن ...التغير في وضع ومكان النورس هو ما اقيسه بالزمن الذي احسُّ به ..الزمن مجرد احساس اقيس به التعاقب ، التتالي ، الانتقال من مكان الى آخر ..لا حركة ، حركة الارض ، حركة طيران النورس ، التغيرات النفسية ، ال.... بدون مادة ..كل شئ له بداية وكل شئ له نهاية وهذا ما يستدل عليه من حركة المادة وما نقيسه بالزمن ... ولكن صخرتي في حالة حركة في حالة تغيرات بطيئة ، فهي لا تحس بما يحدث لها ، لانها لا تحس ، واذا ما قلتُ عنها ان عمرها كذا سنة فانا الذي قست ذلك ..الزمن احساس بتاثير حركة المادة ، ولا زمن خارج الاحساس ...الدجاجة تحس الليل والنهار ولا تعرف الزمن ..هذ1 معناه هذا الاحساس مرتبط بعقل الانسان ..هل يحس هذا النورس بالزمن الذي مرَّ عليه في حطّه هذا ...لا طبعا .فانا ربطت حطه بالزمن ..... ثم طار طائر النورس الى جهة اخرى عندما كان الشاب يفكر بموضوع الزمن .انتبه اليه وهو يحلق واستمر بالتساؤل : هو يعرف ،يدرك ، اوووه ، مفردات لغوية ... ا نه كان حاط هنا ..ولكنه هل قاس حطه بالدقائق ؟.. حطَّ زمنا ، هذا من قياساتي ..اذن الزمن من ابداعات العقل البشري .......عاد الى واقعه ونفخ عدة نغمات وهو ينظر الى الافق والى سطح البحر ويتامل ....هز راسه وقبل ان يغادر مكانه قال ...ايضا الاتنظار هو زمن يحسُّ به عقلي
عندما عاد الى داره كان بكاء اخيه قد انقطع بعد ان ارضعته امه ، نادته بصوتٍ حزين
--- هل سمعتَ الاخبار ؟... رد عليها
--- لا احبُّ سماع الاخبار ... مع ان الراديو معكِ ، فماذا تريدين اسماعي مما سمعت ؟.
--- رفضوا الحوار .. معناها الحرب ستستمر
--- وما يعنيني منها بعد ان اخذت ابي
--- الا تفهم معنى الحرب ؟... الحرب ليست نزاع على فتاة او سمكة ...الحرب تشمل الخبز والبيت ، وكما شملت ابيك سوف تشملك ، انها ستحرق كل شئ
--- انكِ توسعين الموضوع ، انا طالب ولا تشملني ساحاتها
--- ستشملك بذريعةٍ اخرى ،
--- وما هي ذريعة شملي ؟.. اذا كان هناك جيش يدافع ؟.
--- لا تعجز القيادة عن اتيان الذرائع ...انْ طالت الحرب ، ستاكل الجنود وستاكلكم ايضا ...
--- وماذا تنوين ؟.
---من حقي ان احافظ عليك ، لقد كونتك من دمي ولحمي وعضامي ، فلا اعطيك لقمة لفم الحرب
--- اماه لا تخافي ، فانا اخاف من نقرة دجاجتي ، كيف لي ان اواجه فم بندقية او مدفع ؟...
--- سيعلمونك الشجاعة بالاكراه عن طريق التدريب ، ويخدرونك بحب الوطن وحمل البندقية وحب هذه الحرب حتى تغني لها
--- لا احد يجبرني على حمل البندقية ، فلا استطيع ان احارب انْ لم يكن عندي ايمان على حملها
--- لا اهمية للايمان في هذه الايام ، الاجبار والاكراه ، التهديد من جهة وغرس المقدسات في عقولكم التي قامت من اجلها الحرب ، من جهة ثانية ..سيقودونكم كالخراف الى الذبح ، مسلوبي الارادة ...اما ان تحارب العدو وبايمان او تحارب بخوف من العدو ، اوتحارب بخوف من توجيه الخيانة او الجبن
--- لا تقلقي بالك يا اماه ، فكل شئ له حل وبوقته
--- انك لاهٍ في بحرك ونايك وصفناتك ، ولا تقدر ما سيحدث
---انا مع البقية
--- بل انت مع القطيع ، ماذا كانت الحرب التي مرت ..ذبح الشيب والشباب وبعد نهايتها ، تصافح الاعداء وتوزعت الغنائم
--- انك على حق فانا لاهٍ وبعيد عما يجري ... ارجوك ان تهداي ، لا بد انهم ياخذون بالحسبان ان العائلة التي اعطت واحدا للحرب لا يمكن ان تعطي الثاني
--- لا زلت لا تفهم .
لقد نامت امه متاخرة ليلا ، فقد اجهدها العمل البيتي ، واجهدها السهر مع طفلها بالاضافة الى التفكير بالحرب ، فغطت في نوم عميق حتى انها لم تسمع صياح دجاجتها فجر هذا اليوم ، فقد انتبه ابنها ونهض من فراشه ليعرف السبب ، شاهد هرّا يهرب وفي فمه كتكوتا...جرى خلفه ثم توقف ، فقد وجد جريه لا فائدة منه فالكتكوت استسلم دون حركة ...عادت الدجاجة الى بقية فراخها مستسلمة ...وهنا وردت ذهنه كلمات امه ..سيقودونكم الى الحرب مسلوبي الارادة ...وماذا يعمل الكتكوت او ماذا تعمل الدجاجة اتجاه هذا الهر اللعين...قطعت افكاره ،اصوات النوارس .اخذ نايه واتجه حيث صخرته ، جلس عليها بهدوء واخذ ينظر الى الافق ومطابقته سطح البحر على مرمى البصر . جال ببصره هنا وهناك فلم ير الا نوارس بيضاء طائرة في السماء ، او عائمة على الماء ، او حائمة على فتات طعام .فتخيل ان بلده سيصبح في خواء ، في سكون في موت , فالحرب ستاكل كل شئ ، ستاكل الكبير والصغير وتصور الجثث منثورة على الارض ولا يوجد غير الغربان السوداء محلقة حولها في السماء ...اخذ ينقر جبهته في طرف نايه كطالب يضع القلم في فمه يفكر في حلِّ مسالة ..وانسرح باقوال امه ..سيعلمونكم الشجاعة بالاكراه ويغرسون فكرة الدفاع عن المقدسات ..ولم يبق بعد الحرب الا مَن يتقاسم الغنائم ..لقد اخذ الهر غنيمته واستسلمت الدجاجة الى الامر الواقع ، وخسر الكتكوت حياته ...لماذا الحرب ؟... امي تقول لتوزيع الغنائم ، وهم يقولون للدفاع عن المقدسات ...ولكن ماذا تقول دجاجتي ؟... لابد انها تقول ما قالته امي ... ولكن ماذا يقول الهر ؟... هل له مقدسات ...لاابدا ، انه اخذ غنيمته ...لماذا لا يعيش الانسان بسلام ومحبه ؟... وهنا هزَّ راسه وقال لنفسه : لو عاش الهر بدون غنيمة لعاش الانسان بدون حرب ، لقد فهمت الان الحرب غنائم ..سوف لااكون كتكوتا ..سابصق على البندقية ، سابتسم لمن يريد قتلي ربما يبتسم لي ايضا فانه مثلي مساق للحرب ..كلانا لا يريد الحرب ...يجب ان لا نرفع البندقية .. ولكن مصيرنا سيكون الموت بتهمة الخيانة .. اذن يجب ان اهرب الى جهة اخرى ..وهل يوجد مكان لا يوجد فيه هرّا ياكل كتكوتا ؟... الحرب مع الانسان اينما ذهب ...اواه ... ما هذه الافكار ، الهر ياكل الكتكوت ، ثم ياتي غيره وياكل كتكوتا غيره وهكذا ، تاتي حرب فتاكل ثم تاتي حرب اخرى فتاكل ما نمى من جديد وهكذا ...أهذا هو الانسان ؟... ما هو الا هر يحصل على غنيمته فيهدأ ثم يعود ...هل ممكن ان اُشبّه الانسان بالحيوان ؟... اجاب نفسه : نعم في الحرب متشابهان .... وضع كفه على راسه لحظة ثم اخذ يدعك شعره باطراف اصابعه وهو يقول لنفسه ... لكن اين العقل ؟... اي عقل ؟... العقل نفسه ينتج السلاح وهو نفسه ينتج القمح ..وهل معنى هذا ان الحرب مصير الانسان ؟.. لا ابدا ..إبعدْ المصالح عن الانسان ، يبتعد عن الحرب ..قرّبْ الانسان الى استعمال الفكر البنّاء ، يبتعد عن استعمال القوة المدمرة ..فالانسان ليس هر والا ما قيل عن الانسان انه حيوان مفكر .. اواه ..الفكر ينتج القلم وينتج المسدس ايضا ..هراء ..اخذ النهار بالوضوح واخذت الامواج بالشدة ..اراد ان يضع الناي في فمه فجاءت موجة ولطمته فسقط من صخرته وعام نايه بعيدا ...فصاح ..لن استسلم ..ساعمل غيره وانشد الحاني ....اتجه الى داره وهو ينشد
إنْ اكلت الحرب ابي ، فلا اتركها تراني
ان اكل الهر كتكوتا ، فهذه غريزة الحيوان
ما انا الا بشرٌ ، السلم ايضا غريزة الانسان
المحبة والسلام ، المحبة والسلام
انتهت العطلة الصيفية وانقطع ذهابه الى البحر ، فلا يشغله غير واجباته المدرسية وقراءة الكتب ..رغبته قوية بان يتخرج في كلية علمية ..كان الطلبة كثيري الاحاديث عن الحرب والانتصارات على العدو اثناء الاستراحة واصبحت المناقشات بينهم حول الدروس مسالة ثانوية ... كان قليل الاختلاط بالطلبة ، الا ان معظمهم يحبه لوداعته وصمته ، فلا يتذكرون انه جاء بمشكلة لأحدٍ منهم في يوم من الايام ، ولا شكى هو من احد ... كان الصف يضّم عدد طلاب شعبتن بسبب التحاق بعض المدرسين وبعض الطلبة في صفوف الجيش الشعبي الذي بدات مهامه بداية العطلة الصيفية ولمدة ستة اشهر، التي كان فيها الشاب لاهيا ببحره وبعيدا عما يجري ..تُناط لهذا الجيش حراسة دواخل المدن وحراسة الحدود ... كان يصعب على المدرس ان يوصل شرح الموضوع الى كل هذا العدد الكبير من الطلبة ولهذا اخذ البعض منهم حريته في التغامز والتلامز ..او في تقليب كتاب او دفتر حتى الذي يحب مادة الدرس او يحب شخصية المدرس ، اصبح من الصعب عليه الاصغاء الى المدرس ومسايرة شرحه ... كان الشاب يتوسط طالبين على رحلة واحدة ، كان ترتيبها العاشرة من الامام ، حاول الاصغاء الى المدرس الا انه لم يستطع فوضع الطلبة غير جدّى ، منهم من يلكز الاخر ومنهم من يبتسم ويتغامز ، فاستسلم لواقعه الذي هو فيه ..سرح بافكاره ولم يسمع حتى دقات الباب ودخول مدير المدرسة الصف ، قال صديقه الذي جلس بجانبه
--- دخل المدير وبيده اسماء الطلاب المشمولين بهذه الوجبة ، انتبه ، ربما اسمك معهم ...اجابه بسذاجة
--- انا ارفض ذلك لاني احب السلام ... تأمله صديقه وفهم ان جوابه له خطورته في مثل هذا الظرف ..فقال له
--- احذرْ .. ستتهم بالخيانة ...اجابه وهو يقلب اوراق كتابه
--- وهل دعوة السلم خيانة ؟... فالذي يحب البندقية ليلعب بها والذي يحب الكتاب ليقرا به .
اخذ المدير يقرا اعلان الانخراط بالجيش الشعبي لستة الاشهر القادمة الذي يحمل جمل تجييش العواطف والدفاع عن المقدسات .ثم قرا الاسماء التي جاء دورها بعد انتهاء فترة الوجبة الصيفية من الطلبة .ولما جاء اسم الشاب نظر اليه صديقه وخاف ان ينطق بما نطق به له ..عندما همَّ بالقيام ،قال
--- انا داعية سلام ..مسك صديقه ياخة سترته واجلسه بقوة وقال له بصوت خافت
--- ايها الغبي ...فهم الطالب الثاني الذي جلس جواره ما قاله وما اراد منه صاحبه ...فقال له ايضا
--- لا تكن غبي ..جاوبْ المدير بنعم ، وبسيدي ايضا...كان عدد الطلاب المحتشد ، لايسمح للمدير ان يسمع ما يُقال وكان هو ايضا لا يتوقع من احد الطلاب مهما كان اتجاهه ان يرفض ، ولم يسبق للمدير ان سجّلَ اية ملاحظة رفض ، مما جعل المدير يسترسل في قراءة الاسماء دون الاهتمام الى التعليقات او كلمة نعم سيدي...
عندما عاد الى داره وجد امه تكسر كرب النخيل اليابس بفأسٍ قديمة لغرض حرقها لطهي وجبة الطعام ، واخيه على بُعد امتار منها ممددا على الارض، يلعب بالقش ... حكى لها ما حدث في الصف ، ولما سمعت ان الجيش الشعبي شمله ، هرولت الى طفلها دون وعي وحضنته وهي تصيح بوجه ابنها
--- لا ابدا ..اخذوا ابيكما ولا اتركهم ياخذونك ..ثم وضعت طفلها على صدرها ومسكته بقوة وهي مستمرة بالكلام ..ثم سالته
--- وهل قراوا عليكم المقدسات ؟...اجابها
--- نعم ...تابعت كلامها
--- هذا نفسه الذي حدث بالحرب الماضية ، المقدسات والاناشيد الحماسية .سوق الشباب الى الموت .والقيادات تتراطن فيما بينها ..لا تنصاع لاكاذيب مقدساتهم التي خلقوها بانفسهم .هدف الحروب هو واحد ..الغنائم ..يجب ان نشد الرحال
--- ولكن الى اين ؟... وكيف نعيش ؟..
--- ارض الله واسعة ...
--- ولكن الى اية ارض لم يمتلكها انسان ؟... كل بقاع العالم بقبضة الانسان
--- ولكن لابد ان يكون هناك بشر شرفاء
--- لا افهم ما تقولين ..سارفض الحرب ، اني سارفض الحرب
--- لا تتفوه بهذا لغيرك ..فتهمة الخيانة تؤدي الى اعدامك
--- ولكني اعرب عن فكري
--- افهم ذلك ... لو كنا نعيش مع بشر لاستعملوا عقولهم بحل مشاكلهم
--- اماه ، لقد خوفتيني كما خوفني صديقي ...ساتكيف للواقع حتى ولو سلموني السلاح سوف لا استعمله
--- يالك من ساذج ..واذا واجهك العدو بسلاحه
--- سابتسم له
--- وهل سيفهم ابتسامتك ؟... سيرديك قتيلا قبل ان يفكر ما تعني انت بابتسامتك ، هذا قانون القتال
--- لا ، يااماه ، اذا ضربك احد على خدك الايمن فادر له الخد الايسر
--- رباه ... اي ولد اعطيتني ..ما قلته شريعة البشر ، ونحن نعيش مع قتلة ، لقد قتلوا ابيك وسيقتلونك ...الذي تحلم به لا وجود له هنا
--- وهل هم من دعاة الحروب والمؤمنين بها ؟..
--- رباه ، ارحمني وارحم هذا الشاب البرئ ............وهنا طرقت بابهم طرقات قوية .صاح احدهم
--- هل ركّزت على كلمة المدير وفهمت ما جاء فيها ؟.... بعد ساعتين يبدا توزيع ملابس الجيش الشعبي مع التعليمات في ساحة التدريب .....لم تترك طفلها عن صدرها ، اخذت تخاطب ابنها والفأس لا زال بيدها
--- انظر الى هذا الفاس ؟. إنْ اردته للعمل سيعمل كما ترى في الحطب وان اردته للقتال سيقتل .ما عدا البندقية فلا تعرف غير القتال هكذا صُنعت ..ولا تخدع نفسك باحلام الصبا ..اخفي نفسك ولا تنصاع الى اقوال حملة البنادق
--- كيف اترك مدرستي يا اماه ؟.
--- لا فائدة من المدرسة والبندقية بيدك ..لا تذهب ابدا ..قالت ذلك وهي تضم طفلها الى صدرها بقوة .
بدأت تدريبات الطلاب عصر كل يوم... بعضهم في مرح الشباب وبعضهم اخذ الامر بجدية ..جلسوا على الارض حلقات وامام كل منهم بندقيته الفارغة من الرصاص ...حمل احدهم بندقيته وصوبها الى مقابله وقال
--- تو تو تو ، ها قتلت خمسة اعداء ... علق آخر
--- انك راسب بالحساب ..ها هم عشرة قتلى امامك ... علق آخر
--- لا انه بطل الابطال ، بضربة واحدة قتل عشرة
بعوضات ....ضحك الجميع ... كان احدهم لا يبالي بتعليقاتهم ، لاهيا بامر قميصه الخاكي المهبهب ..ادخل يديه تحت قميصه واخذ يكوّر فانيلته ثم جعلها كرتين على صدره ، بعدها انزل قميصه المهبهب وظهرتا كانهما نهدا فتاة وقام منتصبا بينهم يرقص ويهز صدره ... ضحك الجميع ،صاح احدهم
--- هذه فتاة عدونا ..تعالوا ننام فوقها ... بطحوه ارضا واخذوا بدعك نهديه وقرص اليتيه وهو يصرخ ...كان هناك آ خر لا يشارك مداعباتهم ..وضع البندقية بحضنه واخذ ينظفها ويلمعها بمنديل قماش واستمر على ذلك دون توقف ..اما الشاب فقد ترك
بندقيته على الارض دون ان يلمسها واخذ ينظر اليها ويتخيل :خرجت رصاصة من فوهتها واصابت ابيه فاردته قتيلا .ثم طنّت كلمات امه في اذنه ) ما عدا البندقية ، فلا تعرف غير القتل ( . ..وهنا خرجت من فمه بصقة على البندقية دون شعور ....شاهد ذلك احد الطلاب وقال
--- ما هذا ؟. ..اجابه صديق الشاب مستدركا خطورة الامر
--- انه يريد تلميعها.....
حضر مدرسهم العسكري بوجه صارم وعضلات مفتولة ..نهض الجميع واقفا ..انقطعت الافكار والكلام ..رفع بندقية من على الارض ورفعوا معه بنادقهم .الا ان احدهم ضعيف البنية يضع نظارة طبية على عينيه عندما انحنى على بندقيته سقطت نظارته بجانب بندقيته ..فتش عن نظارته قبل البندقية لان الاولوية لنظارته بالنسبة لوضع عينيه ...اراد بعضهم الضحك الا انهم اكتفوا بالابتسامة ....آخر حاول مسك بندقيته بيد واحدة ، كانت ثقيلة فلم يستطع فمسكها بكلتا يديه وهو ينفخ ...هه...هه...هه....
علمهم مدرسهم العسكري كيفية تفكيك وتركيب وتنظيف البندقية .... في يوم آخر تعلموا نظريا كيفية الرمي بالبندقية .....جاء اليوم الاخير فكان الدرس عملي ، هو رمي الهدف من بعد امتار ..ينبطح الطلاب على الارض خمسة بعد خمسة ، ويصوبون الهدف بخراطيش الرصاص ... ولما جاء دور الشاب انبطح على الارض والبندقية بيده ..التفت الى مجاوره كيف يرمي ، وهو ماسك بالزناد خطأ فخرجت الخراطيش دون ان يدري مرة واحدة لان البندقية كانت في وضع )الصلي ( . ضربت الارض وانتشر الغبار .. رجّته بندقيته الا ان سرعة خروج الخراطيش جعلته لم يصدق ما حدث .وانحرم من تعلم تصويب الهدف ، لان هذا التدريب مرة واحدة لا يتكرر ......
كان يوم التحاق الشباب في الجبهة ، يوم عزاء للام التي لا زالت تلبس ثوب الحداد على زوجها ...جلست على الارض سارحة بافكارها .بينما طفلها يعبث بادوات الطبخ البسيطة ويلتذ لطقطقتها ..كانت باب الدار مشرعة ، استطاعت دجاجاتها ان تخرج بحرية تنبش الاتربة عن الحبوب فتلتقطها مع الحصى الناعمة التي لا تعرف ان هذه الحصى تساعد قانصتها على سحق ما التقطت من حبوب ..استمرت الام بانسراحاتها ولم تبالي بخروج دجاجاتها من الدار او عبث طفلها باواني الطبخ ...كل شئ عندها في هذا الوقت لا اهمية له ، فهي لا تبالي بملكيتها دجاجاتها إنْ خرجت وان ضاعت ، فهي تفكر باثمن ملكية لها ..شابها .
توزع الطلبةالمئة على الخيم ، كل اربعة طلاب في خيمة واحدة وبجوارهم افرشتهم وملابسهم وحاجاتهم ، اما الشاب فكان نصيبه غرفة طين مع اربعة من الطلاب من بينهم صديقه ،فيها صناديق مغلقة لا يُعرف ما فيها ، كان اختيار الطلاب
في هذه الغرفة بسبب ما عُرف عنهم من اخلاق جيدة وامانة وهدوء ، وضع الشاب بندقيته خلف الباب الخشبي للغرفة ..كان اليوم الاول مخصص لاستلام الخيم وتنظيفها وفرشها وكان يوم استراحة ، لا واجب فيه ..الا ان التعليمات تمنع مغادرة الخيام بعد غروب الشمس الا بامر خاص .... بدات الظلمة ومُنعت الاضاءة والتدخين الذي بالامكان مشاهدة ضياء السكارة عن بعد ، جلس الطلبة على افرشتهم يتحدثون ، احاديث فيها الاستفسار وفيها المداعبة وفيها النكات ... واذا بالسماء تصبح شعلة من ضياء ساطع ، قناديل تسبح في السماء ، اخذ بعضها يقترب من بعض الخيام وبدأت بالنزول حتى اختفت ..اندهش الطلبة واصبحت العيون متجهة اليها بصمت من فتحات الخيام ، ساءل بعضهم بعضا عن معناها بهمسٍ وخوف .. اما الشاب ورفاقه فقد التصقوا بافرشتهم التي جلسوا عليها ينظرون من خلال النافذة متسائلين ...ما هذا ؟... بعد دقائق بدأت اصوات المدافع من الجهة المقابلة لهم وانفجارات قذائفها تدّك الاماكن المحيطة بهم فتهز الارض هزّا، كان الخوف مطبق ، انقطعت حتى الانفاس ،عيون مفتوحة من الذهول ، واعجزتهم ملاصقة الفراش دون حركة .. وقعت قذيفة بالقرب من الغرفة ، اهتزت الغرفة ، صعدت ونزلت من شدة الاهتزاز وتساقط التراب من سقفها فانكب الشاب ورفاقه على وجوههم دون حركة او تنفس وكأن تغطية الوجوه يُبعد الخطر عنهم ... بعد ساعتين ، توقفت المدافع وتوقفت الاصوات وعاد الوضع عاديا ، نهض اثنان من رفاق الشاب وخرجا لمعرفة الامر ، ثم الحّوا على البقية بالخروج ، تبعهم الشاب وبقى احدهم ملتصقا بفراشه فشك رابعهم بامره ، تمعن في جلسته ، فشاهد بللا على فراشه وبقعة صغيره ما بين فخذيه في بنطاله ، غمز لاصحابه واخذهم على بعد من الغرفة وقال لهم
--- تاخرو في العودة الى الغرفة ، رفيقنا ) عملها ( ، يجب ان لانجرح شعوره فكلنا قد خاف ، يجب ان نعطيه الوقت لتغيير ملابسه وفراشه وكاننا لا نعرف الامر ..بعد دقائق تاكد هذا الطالب من بقاءهم بعيدين ، سارع بنزع بنطاله واخفاءه خلف وسادته ثم قلب فراشه واخفى اثار البولة ، بعدها خرج وهو يتفحص ما تعني نظراتهم اليه ، يستمع الى حديثهم دون مشاركتهم ، ارادوا دخول الغرفة ،قال لهم
--- يجب ان يبلغونا بما سيحدث حتى ناخذ الحذر ونتقبل الامر دون معاناة .. وهل سيحدث هذا كل يوم ؟... اجابه احدهم
--- طبعا فنحن نقابل العدو
في منتصف الليلة الثانية تبلّغ الطلبة بانذار اخذ الحيطة والحذر ، سيهجم العدو... لم يغمض لهم جفن ،خرج الطلاب مع بنادقهم وتوزعوا على مناطق حراستهم لمقابلة العدو الذي سيهجم الليلة ..كان موقع الشاب، خلف مجموعة من اكياس مملوءة بالتراب ومعه احد رفاقه الذي سرعان ما انجلى عنه نعاسه حيث كان غاطا في نوم عميق ..هناك اكياس اخرى انتصب خلفها طلاب آخرون ، التصق بعضهم بهذه الاكياس دون حركة ... كان ضياء القمر يعطي بعض النور ،فظهرت ظلال النخيل كانها اشباح واذا ما تحركت سعفة تحرك شبحٌ ..شارك صمت الطلبة هذا ،السكون الذي تقطعه نقنقة الضفادع ،كان الطلبة يرون تحرك الاشباح من شدة خوفهم متجهة اليهم كلما تحرك السعف ، فالتصقوا اكثر بالاكياس..بعد نصف ساعة ، رفع احد الطلاب يده ليرى ساعته فمسك آخر كفه بقوة وهمس بصعوبة
--- انتبه ، فالساعة تلمع ربما يراها العدو ويصوب اتجاهنا ..... مرت دقائق سمع الشاب ورفيقه اصوات وقع اقدام على الارض قادمة ، تقرفص الشاب خلف الاكياس وتبعه رفيقه ماسكا ببندقيته ..همس باذن الشاب
--- اين بندقيتك ؟.. اجابه
--- في مكانها
--- لماذا لم تاتي بها ؟..كيف ستقاتل ؟... اجابه هامسا
--- لم اتعلم الرمي فقد فشلت بالتدريب ..هل بندقيتكَ محشوة بالرصاص ؟.. اجابه
--- لا ..وهنا انتبه صديقه وتساءل مستغربا
--- ما معنى ذلك ؟..ينذرونا بوقوع هجوم ونحن لا نملك رصاصة واحدة !..سنُقتل ، سنقتل ،اشكُّ بالامر ، هل هو تدريب ؟.. اجابه الشاب بعد تفكير
--- نعم ..لا بد انه تدريب لتعليمنا الشجاعة كما قالت لي امي ...... اثناء ذلك سمعا اصواتا وضحكا ومنادات لهما
--- انتصٍبا ، هل انتما خائفين ؟.. عودا الى غرفتكما فالانذار انتهى
في كل ليلة تعود مدافع العدو بالقصف وبعد عدة ليالي تعوّد غالبيتهم اصوات وانفجارات قذائفها واخذ البعض الذي يظهر شجاعته للغير بالتجول بين النخيل بالرغم من التحذيرات المتكررة من خطورة التجوال. في النهار تجد حركة الطلبة عادية : استلام الارزاق ، الطبخ ، التنظيف ، غسل الملابس ، السباحة في النهر الذي يشق هذه المنطقة ..كان احدهم قد وضع ملابسا في طست كبير واخذ يغسلها بمسحوق الصابون وقد طوى حافتي بنطاله الى اعلى واخرج ساقيه الخاليتين من الشعر ..انتبه اليه طالبان يسبحان بالقرب منه واخذا بالتعليق
--- انظرْ الى ساقيه الخاليتين من الشعر
--- انهما ساقا فتاة
--- لابد انها زوجة الآمر ...ضحكا ..خجل هذا من نفسه وانزل عينيه واستمر بدعك الملابس ..سأل احدهما
--- أهذه ملابس الآمر ؟... ثم رشاه بالماء وهما يضحكان ...همس احدهما للاخر
--- تصوّر وصَّله جبنه الىغسل ملابس الآمر كي يبقيه في حمايته وحتى لا يرسله بمهمات غير غسل الملابس والتنظيف
كان نهار مشمسا عندما خرج الشاب مع رفيقه متجهان الى بناية القيادة والتي هي مدرسة ابتدائية تركها التلاميذ مع اهلهم باوامر من القيادة العليا لان المنطقة اصبحت خطرة فهي تواجه العدو وتقع تحت قذائف مدافعه ...كانت الدور باثاثها البسيطة خالية من ناسها ...لما مرّا على احد الدور . نودي عليهمامن قبل مجموعة طلاب كانت في الدار ، لشرب الشاي معهم ..كان احدهم يمسك اواني الطبخ ، يدق ويغني ، .كان قوري الشاي قد اكله الصدأ موضوع على شعلة طباخ نفطي تراكمت عليه الاتربة وبجانبه مجموعة اقداح متاكسدة اللون من الاهمال اخذ الشاب ينظر حواليه فشاهد غرفة مخلوعة الباب في داخلها احد الطلبة يعبث باثاثها وطالب آخر يقلّب ملابسا للنساء ، خرج هذا بلباسٍ داخلي احمر لفتاة واخذ يلوح به في الهواء كراية حمراء مرفوعة وهو يغني ، انتصرنا ، انتصرنا ..ثم ادخله في راسه واخرج اذنيه من فتحتيه بعد ان شمّه عدة شمات وبقية الطلبة تضحك ...همس الشاب باذن صاحبه
--- الم يكن اصحاب هذا البيت من مواطنينا ؟... ايضا همس صديقه باذنه
--- نعم، يعبثون باثاثهم وملابسهم ، فكيف اذن مع الاعداء ؟...
--- وهل نحن هنا للحماية ام للعبث ؟... لكزه صديقه وقال له بهمس
--- اصمتْ ، اما ان تشاركهم ضحكهم او تنظر بعينيك فقط
وصلا غرفة الآمر ..اخذا التحية بطريقة مضحكة فهما لايعرفان نظام التحية للآمر : مع غطاء الراس ، او بدونه ، كيف يفتح الكف ، مكان وضعه من الوجه ، وضع القدمين وضرب الحذائين ...لم يبالي الآمر ، فهما طلاب ... الا ان احد مساعديه علّق على ذلك متصورا نفسه مساعد آمر عسكري بلهجة المجد
..قال الآمر
--- تبدأ اليوم اجازتكما لمدة ثلاث ايام ..تستطيعان المشي الى الشارع العام فهو لا يبعد كثيرا، حوالي نصف ساعة ..ثم تؤشران لاية سيارة عسكرية ذاهبة الى المدينة ...شاهد الحيرة على وجهيهما فقال لهما
--- لا تذهبان ، عندي نزول الى المدينة سآخذكما معي بالسيارة العسكرية ... تعدى الوقت منتصف النهار وهما في انتظار الحركة فقد ضاعت عليهما اجازة هذا اليوم ..
ركب الآمر سيارة ) لاند كروز ( العسكرية بجوار السائق وركبا هما خلفه . تحركت السيارة مسافة بعدها اعطاهما مجموعة جرائد وامرهما بتغطية المواد التي خلفهم بالاضافة الى غطاءها ..عند التغطية لاحظ الشاب من فتحة في الغطاء الاولي ، عسوقا من التمر ... بعد عشرة دقائق توقفت السيارة عند نقطة تفتيش ... سلم المفتش على الامر دون ان ياخذ له التحية العسكرية لانه رفيق حزبي وموظف اداري مدني يرتدي الزي العسكري المناسب التي تفرضها هذه المهمة ... اخذ المفتش ينظر داخل السيارة وهو يسال
--- لا شئ ممنوع معكم ؟..اجابه الامر مبتسما وهو ينقر باصابعه على مقدمة السيارة بصوت مسموع وينظر الى الامام جارّا انتباه المفتش الى هذه الجهة
--- لا شئ
--- ولا فسائل نخيل ولا عسوق تمر ؟... اجابه كالواثق وهو مستمر بالنقر
--- لا ابدا .. فتشْ انْ اردت
----- لاحاجة ايها الآمر... قالها وهو يرفع حاجبيه.
. اعطى المفتش اشارة المغادرة للسائق وهو يكلم نفسه : لا اهمية لعسوق النخيل ..فقد مرَّ الضباط بغنائم ثمينة
.... تحركت السيارة وابتسم الآمر والسائق ..همس الشاب لنفسه::هل هذه من الغنائم التي قالت عنها امي ؟... هذه غنائم تافهة ، ولكنها ممنوعة ومن ملكية مواطنينا ، كيف اذن مع الاعداء ؟.. الملابس ، الاثاث ، اواني الطبخ ، عسوق النخيل ، وفسائلها ..ألم تكن بحمايتنا ؟... اذن نحمي ماذا ؟...
انطوت الايام ثقيلة وكئيبة عند بعض الطلبة ، وعند البعض الاخر لهو ومرح وعبث ..اما الشاب فقد قضى ايامه معتكفا بغرفته وقلما خرج الا عند الضرورة او الاستدعاء ،واذا ما خرج كان عرضة للسخرية والاستهزاء ..منهم من يعلق عليه بان الوحي سينزل عليه ومنهم من يتهمه بالجبن ... كان كثير الشرود الذهني والتخيل ... تتراءى امامه صور امه واخيه ، صور هدوء البحر و النوارس وياتي سمعه هدير البحر واصوات النوارس والحان الناي ...ثم يسائل نفسه ..لماذا الحرب ؟.. هل كما قالته امي .. ما علاقة الانسان بالحرب ؟..لماذا هو ملتصق بها ومنذ آلاف السنين ؟... ألأنَّ اصله حيوان كما قال دارون في كتاب الحيوان المدرسي ؟... ولكنه قطع شوطا طويلا في المدنية واقام حضارات وتوصل الى علوم ومعارف وفنون و...عظيمة ..غيّرَ وطوّر ونمّا عقله وتوسعت لغته وتغيرت معيشته ...اذن لماذا الحرب ؟... أهيَ احدى سلوكياته ؟... ام هي قدره ... كان القتال فرد يقابل فرد والان هدم وتخريب شعوب واوطان بكاملها ..والأخطر هو هدم شخصية الانسان واعادته الى حياة الغابات .... احدى المرات ايقضه صديقه بسؤال
--- هل تاكدت من وجود بندقيتك ؟... لقد سُرقت بندقية احد الطلبة ...التفتَ الى خلف الباب واجابه
--- هذه ، ..نظر اليها صديقه وقال له
--- الغبار يغطيها ... يجب ان تنظفها والا ستحصل على عقوبة
--- لا احب حتى ان اراها ... وهل انت تحب البندقية ؟.
--- لا ابدا بل انا مجبر عليها وانت تعرف افكاري ، لازلنا نعيش في غابة .إنْ لم تقتل مقابلك ، يقتلك
--- والذي لا يستطيع ان يقتل ؟..
--- لابد ان يُقتل .. فانت في حرب ان لم يكن قتلك من قبل الاعداء فمن قيادتك بعد ان يوسموك بالجبن
--- وصل الانسان الى معارف مذهلة ، لو استيقظ اجدادنا الاوائل لقالوا عنها انها اسحارا ، فلماذا هذه العداوات وهذه الحروب ؟..... لكن بدون التناقضات لا يتحرك الانسان ، لايصعد سلَّم التقدم و التطور ، ولكن بالامكان ان يبدل الانسان طريقة الحرب هذه بطريقةاخرى ...ولكن مهما جدّد ،يبقى الصراع ابدي ..لازالتُ صغيرا على فهم هذه الفلسفة ...
--- اخرسْ .. وتحذرْ.. والا تهلك إنْ لم تعش في واقعك بعيدا عن كتبك ...
انتهت المدة وعاد الرفاق بسيارات عسكرية مكشوفة بين ضحك ونكات وعبث ... اما الشاب فقد انتصب في زاوية من السيارة واستند بمسك قضيب منها تخلصا من اهتزازاتها وسرح في تخيلاته .... رماه احدهم ببلحة اخرجها من كيس في يده بعد ان اكل عدة بلحات وصاح
--- انتهت المدة ولازال رفيقنا منطويا من خوفه ..قال آخر
--- ومن خوفه لم يتمتع بهذه النزهة ولم يخرج الى السباحة واللعب ...ضحك الجميع ،ما عدا صاحبه الذي جلس بجانبه ... بعد فترة ، جاءهم تبليغ ، ان ياخذوا الحذر ويلزموا الصمت فالسيارة تمر في اخطر نقطة قريبة من العدو المقابل لهم ويجب اجتيازها بسلام ...تساءل احدهم
--- ماذا يحدث لو عرفوا ذلك ؟....... عمَّ الصمت وتقرفص بعضهم على ارضية السيارة ... بعد لحظات انهالت عليهم طلقات البنادق والرشاشات من بين النخيل جهة العدو ، قسم منها يعبر رؤوسهم وقسم منها يذهب الى جهات مختلفة ممشطة المنطقة ... كان الشاب بعيدا عن واقعه ومسترسلا بخيالاته ولا زال على وقفته واذا به يسقط والدماء تسيل من راسه ... صرخ صديقه
--- لقد قُتل ..اخذ يضرب زجاج السيارة وهو يصرخ .. وضع احدهم كفه على فمه وقال هذا للسائق بصوت خافت
--- لقد تصوب احدنا في راسه ،.يجب اسعافه ...اجابه السائق
--- لا نستطيع ان نعمل له شيئا الان ، يجب اولا اجتياز المنطقه هذه
--- ولكنه سيموت .........بعد نصف ساعة اجتازت السيارة منطقة الخطر هذه وتوقفت ... بعد ربع ساعة وصل الامر وشاهد الشاب مضرج بدمائه في حضن صاحبه ... قال للسائق
--- مواد الاسعافات في سيارة سبقتنا كثيرا علينا ان نشدّ راسه بقطعة ملابس .... بعد اكثر من ساعة وصلت السيارة مستشفى المدينة ، اُدخل غرفة العمليات وبعدها خرج الطبيب يعلن للامر ورفاقه انه فارق الحياة .... قال الامر
--- سنعتبره من الخسائر ال 5% المسموح بها .... علق احد الرفاق
--- هذا واحد من طلبتنا المئة ، معناه نحن الرابحون ...

هولندا
 

Read 1490 times
Rate this item
(0 votes)

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي