wrapper

ِالمهاجر واللاجئ


لعبد الكريم الصابري

في رحاب السماء الصافية ،تحاور طائران
الاول : لم يسبق لي ان رايتك بهذه الكثرة ،في هذه السماء، فاسمح لي ان القي
عليك بعض الاسئلة ، وارجو اعتبارها للتعارف ، فالسماء واسعة لا اخاف
مزاحمتك لي فيها .
الثاني : لقد الِفتُ طرح الاسئلة ، وقد ازحتَ الخوف عنّي باعتبارها اسئلة
للتعارف لا اسئلة استجواب التي اَلفتها طوال حياتي . واشكركَ على فسح
المجال لي في هذه السماء التي قلت عنها انها واسعة ، بعد ان الفت الضيق
والتضيّق في كل مجالات حياتي.

الاول :احسُّ من كلامك ، انك ما كسبتَ من حياتك راحتها .وهذا يثير عجبي
لانك مثلي تمرح في رحاب السماء طليقاً .
الثاني : سوف لا تعجب إنْ عرفتَ امري ، وان تركتني اعدّ لك همومي ، فمسافتك
تنتهي ولم آت الا على النزر اليسير منها ، والافضل ان اجيبك على كل سؤال
تطرحه وللتعارف كما بدأت كلامك .
الاول : لونك اثار استغرابي ، عرفني عليه ؟
اللثاني : لوني هو لون الدخان الذي يغلبه السواد .
الاول : ولِمَ اخترت لون الدخان لوصف لونك دون غيره ؟
الثاني : لأنه يُبعث من حريق حياتي ، ولا افضل من هذا الاختيار الذي يبقى
شاهدا على ما احترق من وجودي
الاول : ربما يثيرك الفضول وتسال عن لوني وهذا حقك في التعرف عليَّ ايضا
الثاني:احسنتَ وهذا ما اردته ، ولكن تربيتُ في حياتي على الكتمان ، بما في
ذلك انفاسي .
الاول : هذا احد الاختلافات التي بيننا ، فانا استطيع ان اغني وارقص كلما
اردتُ ، وهذه هي حياتي التي تربيتها . اما لوني فهو الوان الطيف الشمسي ،
إنْ اجتمعت واندمجت شكّلت لون الضياء ، لون الصفاء ، الذي بُعِثت منه
الحياة ... وانت ما وقت هجرتك ؟
الثاني : لا وقت معروف لهجرتي ، فالحروب والدمار هي التي تحدد اوقاتها . ..
وما اوقات هجرتك انت ؟
وإنْ كنتُ قد قرات عنها ، ورايتك في السماء تحلّق ، ولكن سؤالي مجرد زيادة
معرفة .
الاول : هذه من الخصال الجيدة ، اوقات هجرتي يا صاحب الطريق ، هي معروفة ،
قبل ان يتلف الثلج مسكني ، وقبل ان تحرق الشمس جلدي ، ولهذا تجدني منتظما
في
هجرتي اثناء حياتي ، ولا نتسَ انها رحلة الفصول التي لا تنتهي . .. ولكن ما
اتجاهك انت ؟
الثاني : ليس لي اتجاه معين ، فجهات السماء اطرقها كلها حتى اجد لي مكان
آمن انزل فيه . فالامان هو هدفي المفضّل على بقية اهدافي في هذا الوقت .
الاول : لفد فهمتُ انك تبحث عن الامان الذي تريد الفوز به الان ، وهذا
الشتّان الثاني الذي بيننا ، انا ابحث عن العشب والماء والدفء الذي يضمني
الى خليلتي التي هي سعادتي وتكاثري الذي يستمر فيه بقائي . وكم آلمتني لأني
اراك مقيد لا تتمتع بنفس حريتي التي اتمتع بها .
الثاني: ارجو ان لا يغرب عنك ان اسباب انطلاقتنا واحدة ، هو انتفاء امن
حياتنا في مساكننا التي انطلقنا منها .
الاول : ألمسُ ان تعب الحياة بآن على مقارناتك ، انك دمجتَ نظام الطبيعة
المتمثل بالفصول وحياة البيئة من جهة ، بحربك ودمارك من جهة ثانية ، وشتان
بيننا .
الثاني : لقد غلبتني ، فالذي تُسلب حريته ، يُسلب فكره ايضا ، وسالبي هم
ابناء جلدتي . وهذا اكبر المصائب الاول : يا صاحب الطريق ، شتّان بيننا ،
لونك لون مخلفات الحروب والدمار ولوني رمز الحب والحياة ، انت تتحكم في
هجراتك ، الفوضى، وانا يحكم النظام الطبيعي هجراتي . والنظام سمة التمدن
الذي لا زال ينقصكَ . انا حرٌ في اختيار مأواي ، وانت تجهل حتى مَن سيؤويك
. والامن الذي اشعر فيه انت تفقده . والان توضحت لي صورتك ، اَليس انت هذا
الجبروت صاحب الامكانيات التي لا حدود لها ، اليس انت سيد الارض ؟ كنتُ
اظنكَ ترفل بالحياة والامان واذا بك تبحث عنها وفي مكان تجهله ، فاية
تناقضات تعيش فيها انت ؟ياللمهزلة !! .افضلُ ان نفترق قبل ان يلفني دخانك
فاختنق به .... الوداع

........................................................................
......
بعد موسمٍِ ، عند عودة المهاجر الى وطنه الاصلي وهو في السماء ،
شاهد الدخان الاسود موزعا على كثير من البلدان التي حلّق فوقها ، وعند
استراحته في بعض هذه الاماكن ، التقى بالدخان الاسود ، وجرّهُ الفضول الى
الاستفسار منه حول ما آلت اليه حاله :
--- خبرني ما الحال معك الآن ؟
--- ضمنتُ حياتي وشعرت بالامن والاستقرار ، واخذت اعمل وانتج ، لأثبت لغيري
، اني اعطي وابني ايضا ، ولم اُخلق للهدم والفساد فقط كما يدعون .
--- ولكني اراك غير مستقر كلياً ؟
--- نعم ، هذا صحيح ، فجذوري لا زالت قوية وهيهات استطيع قطعها ، وحتى لو
اردتُ ذلك ، وهذا احد اسباب عدم استقراري الكلي ، مثَلي كمثل نبتة الصحراء
التي تنقلها الى ضفاف الانهار ، تتكيف لبيئتها الجديدة ، لكنها تبقى نبتة
صحراوية باحتفاظها ببعض خصائص الصحروة
--- المسُ منك الحنين الى مكان ذّلك وقهرك؟
--- لم يقهرني مكاني ولم يذلني ، وانما انا طوع القوة الاقوى التي حدّدت لي
مسيرة حياتي .
-- ارجو ان توضح لي اكثر ؟
--- تبحث القوة الاقوى عن الارض المعطاء فتهجر اصحابها ، وهذا واقع حالنا
--- ومَن المسؤول وانتَ صاحب قوة ايضا ؟
--- نعم، اني كبقية امثالي املكُ قوة ، لكني ضيعتها بسبب جهلي وتخلفي ، ولا
اتهم غير ذلك حتى القدر !!
--- لقد انتهت استراحتي وازفت ساعة الرحيل ، وارجو ان لا تنزعجح مني اذا
ختمتُ لك هذا اللقاء بقولي عنكَ: بالرغم من عظمة عقلك تحكمك المصالح
الشخصية التي لا يمكنك الفكاك منها ، وهيهات ان تستقر ! وقبل ان اودعك ، هل
من رسالة منك الى مَن امرّ عليه في طيراني ؟
--- لم يترك امثالي وخاصة العظام منا منفذا لرسالة ، فقد طرقوا كل باب من
ابواب الحياة ، فتحوها وغاروا في معرفة اسرارها ، ثم : بشّروا واصلحوا ،
وهدوا ووعظوا ، وعليه فرسالتي لم تكن افضل من غيرها .
--- المس انّ اليأس تمكن منك ؟
--- نعم ، نعم . لقد تكلمتُ وتكلمتْ ، وارشدتُ وارشدتْ ، ووعظتُ ووعظتْ ،
وهديتُ وهديت ، ... في كتبٍ ورسالات ، حتى مللت ، فتركتُ )جهة ( النبوات
واتجهتُ غربا ، حيث اعمل وانتج ، ومنها تترسخ اقدامي في الحياة ويثبت وجودي
.
--- لا تبخس ما جاء به الاسلاف ، فاليد لا تنتج بدون عقلٍ نوّرهُ السابقون
في المعرفة . .......الوداع
........................................................................
............
ومرت السنون ، عاد المهاجر يغطي السماء الرحبة باسرابه من جديد ، ولما
مرَّ على بعض البلدان والتي عرفها سابقا ، دفعه فضوله الى التمعّن في ما
يراه عسى ان يعثر على صاحبه فيقضي معه وقتا ممتعا ، ولما نزل ليستريح ،
فتشَ عنه فلم يعثر عليه واخذ يكلم نفسه : سبق ان وجدته هنا ، نعم هنا
تحاورنا ، اذكر ذلك ولا انساه ، وكان ماضيا في تثبيت اقدامه ... فأين ذهب؟
.. وبينما هو على هذه الحالة سمع احدا يساله : --- مالي اراك تهمسُ لنفسك ،
فهل تفتش عن ضالّة ؟
--- نعم صدقتَ ، ولكن ليس بغريب هذا الصوت عن سماعي
--- نعم صدقتَ ، هو انا ضالتك .
--- اتقصد الدخان الاسود ؟
--- نعم ، انا هو
--- ولكن ما دليلك ؟ وانا اراك الان على غير ما كنتُ قد رايته فيما مضى في
ذلك الذي تدعيه .
--- نعم صدقت ، لقد تبدلت كثيرا ، حتى بات الذي يراني لم يدر بخلده انه قد
سبق له ان رآني ، وهذا دليل معافاتي إنْ كانت نظرتك لي الان افضل ... اراك
متعجل في معرفة اخباري ، ان اردتَ الاسهاب ساسهب ، وان اردت الاختصار
ساختصر ؟
--- لا وقت طويل عندي . فاطنب عندما تجيب ، هل انت حقا صاحب الطريق ؟
--- نعم ، وانا الان مضيفكَ
--- انتَ تقدّم نفسك وكأنك صاحب المُلك ؟
---لا ،لا، هذا سوف لا يحصل ،ولن يحصل حتى لخلَفي القريب
--- لا زلتَ تشعر بثانويتك ، المعذرة ، اجد انه شعور طبيعي في مثل حالك ،
قلْ لي ما سرّ تَغير لونك ؟
--- السر هو الاندماج اولا ، ثم الانصهار التدريجي ثانيا . وهذا شعار منقذي
.
--- هذا الذي اردته لنفسكَ، ففرارك من مكان نشأتك: ودون عودة ، جعلك تستسلم
لنزع اثوابك .
--- ارجوك ، لاتفتح جروحي ثانية بعد ان التأمت ، حتى الركائز الصخرية لا
تقاوم الاعاصير العاتية ، فكيف انا من لحم ودم ؟ ولا تنسَ اني قاومت
بمختلف الاساليب حتى بآن العظم من الجلد. وتدنى فكري ،حتى كدتُ اشكُّ في
وجود مخ في قحف راسي ... ارجو ان يكون سؤالك املس لا يخدش . فقد رهف حسّي
من سماعي اسئلة الاحترام التي افتقدتها فيما مضى من حياتي ، واشعرتني
بالامان والاحترام كالاخرين ، فلا تؤاخذني على ما حدث لي فيما مضى عندما
كنتُ بين رحى القوى الماحقة .
--- المعذرة يا صاحبي ، طمئن نفسك ، فانا لستُ بحفار قبور ، كل ما كان مني
هو تداعي الذكريات ، اذن اسرد لي على هواك واعلم ان استراحتي قصيرة .
--- احكي لك هذه الحكاية ، واستنتج انت منها ما تشاء ؟
..) عندما كنت صبيا ، حكى لي احدهم ، حكاية الرجل الابيض والرجل الاسود
،
كيف ان الابيض يعرض الخرزالملونة والغليون مقابل ما يعرضه الرجل الاسود من
كنوزه (. .وها انا ذا قد مثّلتُ احد ابطالها ، ضيّعت كنوزي مقابل الغليون
ومن حسن حظي ان غليوني هذا ظهر انه لنسيان الماضي وكنس غباره ، والتلذذ
بالحاضر وتقبله بقناعة .. فاشكر ثانية منقذي
--- كيف وجدته اكثر ؟
--- وإن كان احد اقطاب القوى )الاقوى ( التي لا اعرف ما تخططه لي إلا ما
هو امام انفي ، اما ما بعُدَ عنه فلا قابلية لي على استنتاجه وهذه احدى
مشاكلي الفكرية يسبقني بها منقذي ؟ اجدهُ يعمل بجدٍّ في تحويلي الى احدهم

فالتعليم الذي افتقدت روحه اعاده لي بروحٍ جديدة والثقافة التي خسرتها
بجهلي اخذ يكسيني حداثتها
والحديد الذي كان بيدي خنجرا ، اصبح الان بيدي منجلا
واهم من ذلك ، ان المخ عاد وملأ قحفي ، واخذ الفكر ينساب منه بيسر
فليذهب تاريخي الى المقابر وليعش حاضري
وهذا كل ما اتمناه لِما بقي لي من حياتي
--- برٍّ ، برٍّ ، بر ،لا للموافقة من اي مكان انتَ لاتبين حقيقتك ؟
--- انا من مكانٍ كان يسمى ) ما بين النهرين (
--- هممممممم ، هذا مخجلٌ حقاً ، انتَ خلَف مَن كان في تلك البلاد التي
حلّقتُ في سماءها منذ آلاف السنين ، وشاهدت فيها شواهدهم التي تثير العجب

منها جنائن معلقة في السماء ،ومسلة رمز التمدن ، وكتب اوراقها من طينٍ او
ذهبٍ او سعف نخيلٍ ، فيهامن الكلام ما يشفي النفس والبدن ، وفيها من
المواعظ والعبر على السنة الحيوان والطيور ، وفيها ما يسلي لسهر الليالي
والسمر ، وفيها كوز فخارٍ فيه اشياء تفعل*
وكلما كبوا فترة ، قاموا ونهضوا فترة اخرى ، ولا احد كفر منهم بتاريخه
ليذهب تاريخكَ )انت ( الى المقابر خجلا من جهلك وتخلفك ، ولا عذر لك مهما
تعتذر ......الوداع
فاجأ ) البكم ( صاحبه واغرورقت عيناه بالدموع ، ولم يستطع الرد عليه حتى
بكلمة الوداع .... ولما رفع راسه الى اعلى ليراه ، سقطت عليه ) ذرقة
توسطت جبينه
.......................................................................
.....................
* بطارية بغداد المحفوظة في متحفٍ !!
**الحكاية من حكايات ) نزاع الثقافات و المغترب )
هولاند- زفولا 10-2-2000

 

Last modified on الثلاثاء, 03 آذار/مارس 2015
More in this category: « الرداء الابيض

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي