wrapper


عندما كانت قدمه صغيرة وهو طفل ، كان يلهو بها كثيرا ، ومن لعبه بها
، أكتشف الكثير ؛ اكتشف ان لها أصابع خمس ، وكان من اكتشافاته لأصابعه ،
أنّ صغيرها يبتعد ثلاث من مثله عن كبيرها . وأسرُّ الاكتشافات عنده وأبهجها
، ان هذا الابتعاد موجود لدى جميع ما حوله من صغير الناس الى كبيرها ، ولدى
أمّه بالاخص ، فهو واحد منهم بل أحدهم . حقاً كان يكتشف وجوده ، عن طريق
لهوه وعبثه ... كانت قدمه طرية كطراوة الطين الذي يجلس عليه ويدلي منه قدمه
الى ماء النهر الجاري ، الذي يروي الحي ويعطي الخير . مرّة يضرب بها الماء
فيتناثر شعاعا ، ومرة يفرجها ليسمح بمرور قشّة طفت على الماء . وكانت
ألَذُّ لعبة لديه ، عندما كان يدلي بقدمه في الماء ويحسُّ بدغدغة ( نقر )
صغار السمك ، كان نقر خفيفا ، وكان الأمر أنسجام بين وداعة صغار السمك
ووداعة الطفل الناتجة عن براءته في اللعب وحبه له، كان يلهو هكذا ساعات ،
لا يفهم قيمة الزمن ، بل لا يفهم معظم ما حوله، ولا شئ يبعده عن لهوه غير
الجوع أو مناداة أمّه له ، أو الخوف من بعض الكائنات الصغيرة احيانا .
فمرات يسحب قدمه فجأة ويهتز كيانه خوفا عندما يقترب منها ذلك الكائن الصغير
( السرطان ) الذي كان كل ما يعرفه عنه ، أنَّ مشيته تختلف عن مشية كثير من
الكائنات الأخرى ، ويعرف أيضا ان له أرجلا عديدة . وعندما كان يرى منه بعض
الاموات ، يمسك بواحدة منها ويلهو ويكتشف ؛ هذه أرجله ، فيقطع واحدة ، هذه
عينه فيلمسها بأنمول سبابته ، ثم يمسك بقشرة من جسمه ويفتحها ويقول ؛ هذا
فمه ... وإذا ما ملَّ هذا اللعب ، صرَّ بأصابعه الصغيرة عليه ومرده وأخرج
عصارته ، ثم يلقيه جانبا .. ولكنه بدأ يخاف هذا الكائن بعد ان اكتشف انَّ
الحيّ منه ليس بوداعة امواته ، فالأحياء منه خطرين .. مرّة أمسك بحيٍّ منها
بأصابعه الطرية ، فأطبق هذا الكائن الحي فكوكه على واحد من أصابعه وغرزها
فيه ، فسال الدم مع ألَمٍ شديد جعله يصرخ ويولي الادبار ... كان لهوه
وعبثه عفوي وغير موجّه ، وكان من ذلك يكتشف ويفهم نفسه والعالم . وكان لهذا
النهر وما فيه من ماء جارٍ ، الكثير من الفضل عليه ، فهو الذي زوّده بكثير
من المعارف ، فأكتشف ان بعض الأشياء فيه تطفو وبعضها فيه تغوص ، وأن فيه
نبات كثير أخضر وأحمر وأصفر ، وسمك كبير وصغير ، وضفدعة تنط وضفادع تنق ،
وسلاحف تزحف وسلحفاة تبيض ، ودود يثقب الطين ، وجرذان تقفز وتهرب ، وغيرها
من الاحياء ، منها ما يأكله ومنها ما يلعب فيه ولكنه بعد فترة من عمره ،
عرف ان نخلته وشجرة نبقه وما زرعته امّه لا يمكنها الحياة بدون هذا الماء.
وعندما صار في بداية الصبا من عمره ، عرف انه ينتمي الى جماعة تُقدّس هذا
الماء الجاري وتجري فيه طقوس دينها ...
كان طفلنا لا يفقه لماذا أهمية هذا الماء ، ولم يفقه ايضا لماذا يُبكّر ذلك
العجوز* بملابسه البيضاء وعصاه الطويلة الى ذلك المكان الذي كان فيه يلهو
ويلعب ، ولماذا يقوم ذلك العجوز ببعض الامور التي لا يفهمها ويتمتم ببعض
الكلمات المبهمة والتي يصيخ الى سماع إيقاعها بلذةٍ ... كان يعجبه من
العجوز ذلك الرداء الابيض الكامل وتلك العصا الطويلة وتلك التمتمات التي
تخرج من وراء برقع فمه الابيض .كان هذا العجوز لا يخاف الطفل ، لا يخاف منه
الاذى او العبث بما عنده من حاجات ( زجاجة صغيرة ، وآنية صفراء ، وقرص طيني
، ومساحيق ، وآس ) ، وأقدس ما كان عند هذا العجوز والذي يخاف الطفل حتى
الاقتراب منه ، مايشبه الدمية مثبّتة بالطين وهي عبارة عن عصاتين مربوطتين
بشريطٍ من نبات ، الموازية لخط الاستواء من منتصفها والعمودية عليه من
ثلثها الاعلى ، وقد وشّحهما ثوب ابيض وحبل محاك وآس... مرّة سأل الطفل امه
عنها فأجابته بخشوع : انه الدرفش . حفظ هذا الاسم دون ان يفهم المعنى ...
كان العجوز لا يخاف من الطفل العبث كعادة الاطفال ، لأنه كان مطيعا
للأوامر ، صامتا لا يستعمل لسانه ، وكل ما كان يستعمله هو عينيه اللتين
كانتا تتحركان باتجاه حركة ذلك العجوز .كان الحب يغمر قلب الطفل البرئ ،
وكان يحب ذلك العجوز وما يقوم به ، وكان كلما أمرهُ العجوز بالكلمات ، كان
يمتثل له بإبتسامة صامتة ... مرّة كان الطفل يحيط حنكه بكفيه ويظهر من وراء
اصابعه عينيه ، ويكلم نفسه ( متى سأرتدي البياض مثل هذا العجوز ، وأضع
العمامة مثله ، وأمسك بهذه العصا مثله ، وألفّ على يدي هذا الحبل الذي أضعه
مثله ، مرة على فمي ومرة على جبيني وأمسك بهذا الدرفش )...
مرت السنون ، وفي يوم أحد وجد الطفل نفسه مع مجموعة من اترابه
بالملابس البيضاء ( سروال يثبّته حبلٌ محاك ، وقميص يلفُّ صدرين ، وأكمام
تتدلى حد الركبتين ، وحزامٌ محاك ، وعمامة تتدلى على العينين ) . كان
الاطفال يدفع كلٌّ منهم الآخر في النهر ، والضحك يعلو اكثر واكثر حتى يتحول
الى صراخ وعبث ... وتأتي ام الطفل وتنهرهم عن الصراخ كي لا يصيبهم أذى
الحجارة من الصوب الآخر من بعض العدوانيين الذين يجهلون دين هؤلاء القوم ،
إنْ سمعوا أصواتهم ، فكانوا يمتثلون لها خوفا ، ومع ذلك كان يأتيهم نصيب
منها
كان حدث عظيم بالنسبة لطفلنا ، لقد امتلك العالم عندما قلّد العجوز
بلباسه الابيض ، وعندما قلد كلماته التي لا يفهمها ، وعندما مثّل حركاته
بالجلوس والقيام والانحناء تحت يده وهو يرش الماء على رأسه ويضع جرعة منه
في فمه ، ويدلك جبينه بما لا يعرفه من مواد ، وعيناه لا تفارقان ذلك الدرفش
الذي انتصب قريبا منه . وهو يخاف ايضا ان تسقط عمامته البيضاء حسب وصية امه
فيخسر شئ من قدسية التعميد .. وبعد ان انتهت مراسيم التعميد بين زغردة
الامهات وفرح الحاضرين ، اوصت الام أبنها :
بعد الآن لا تأكل لحم ( ابوذويل ) ، وكن نظيفا كنظافة الماء الجاري ، ولا
تأخذ حاجة هي ملك غيرك ، ولا تقل غير الحق ، ولا تلفظ بذئ الكلام ..فقد
اصبحتَ مندائيا .. سمع الطفل الكلمة الاخيرة وحفظها عن ظهر قلب دون ان يعرف
معناها إلا بعد سنين ....
................................................
* العجوزهنا اشارة الى الراحل الشيخ نجم الشيخ عبدالله ، والمكان دار عطية
مدينة البصرة



عبدالكريم الصابري

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي