wrapper


16-11-2004

كان يعرف انها ليلة ليست كباقي الليالي ، لأنه يلبس فيها ثوبا جديدا
عندما تحلّ عليه مرّة كل عام . كان منتصبا وبقربه مهفّة تذهب يمينا وشمالا
، وهي في يد تلك العجوز ، عسى ان تأتيها نسمة باردة توقف قطرات العرق
المتصبب من جبينها والمنسرحة بين نهديها الخاليين من كل شحميهما ، كانت اذا
تكلمت ، ايّدت كلامها بضرب رأس مهفتها على الارض التي كانت تفترشها ، ممددة
رجليها الى الامام وظهرها متّكأ الى الجدار الذي ترك بصماته على ثوبها
الاسود والمبقع بلون آخر افتح منه ، أحتراما لهذه الليلة ، لأنها ترتدي
السواد الايام السابقة ، كانت تقوم بتثقيف طفل ابنتها عن طريق الحكايات
التي تحكيها له إذا ما بآن الخيط الأسود لبدْ الليل بعد ان تلفه بعباءتها
كي ينام ، في بعض حكاياتها التخويف للحث على النوم كالسعلوة ، وفي بعضها
الآخر توجيه ديني كأبثاهيل يرعى غنمه الذي هو سحاب في السماء ، وفي بعضها
توجيه ان يكون ولدا صالحا يخاف الله ويطيع امه ويمتنع عن المضرّات ... كان
الطفل مهزوز النفس ، قلقا ، وقلقه لا يترك قدميه ثابتتين ، مرة بجوار جدته
، يسألها عن تلك العجوز الاخرى التي جاءتهم من بعيد والتي لم يسبق له ان
رآها . ومرة بجوار الباب يسأل السماء ويتوسل اليها ان لا يأتي غروب الشمس
سريعا ويرى تلك النجمة التي تبدأ بظهورها ليلة العيد المقدسة ، وإنْ تخلفت
امه ، ستحرم من الدخول او تُحجز في مكانٍ منعزل وتخسر القدسية ويخسر
مشاركته امه هذه الليلة ، كان قلقا وقلقه يجعله يتصور ان الزمن يغيّر سرعته
، فسرعان ما يأتي الغروب وتظهر النجمة قبل أوانها في مثل هذه الليلة
المقدسة ... كان يدلك الكف بالكف ويتحرك كرقاص الساعة وهو بجوار الباب
يتوسل ، ان تدرك امه الدار قبل أوان ظهور النجمة ... عاد يسأل جدته العجوز
: امي قد تتأخر ...؟. وجدته تنظر اليه ساخرة ، قائلة ؛ ما زلنا في وضح
النهار ، ستأتي امك لا محالة عن قريب . لكنه لم يقتنع ، فيسألها عن جهل ؛
ربما الشمس تسرع والنجمة تظهر وامي في الطريق تتأخر ...؟. اجابته العجوز
بتأفف وهي تنقر رأس مهفتها على الارض كعادتها تأييدا لكلامها ؛ عزيزي
الغالي ، امك لا تتأخر في مثل هذه الليلة مهما كانت الصعاب ..أجلسْ لأحكي
لك اشياء كثيرة ، جلس صاغرا شارد الذهن وعيناه الى الباب .. قالت له ؛ هذه
الليلة تصعد الملائكة الى عالم النور حيث يسكن الرب ونبقى نحن بدون (ناطري)
يحمينا من شرور الارض ، ونعتكف في بيوتنا حتى عودتها من عالم النور بعد
الليلة الثانية من هذه الليلة ، حيث نخرج صباحا للتعايد فرحين ، تمتلئ
جيوبك (بالملّبس والنقل والحامض حلو ) والنقود ، وفي هذه الليلة ؛ يلتقي كل
فرد بعيد ، عائلته . فتلك جدتك الثانية اتت من بعيد بين بساتين التنومه
وعبور شط العرب ..ويبيَض كل أسوَد ، فالملابس السوداء تُبدل ، والقلوب
السوداء تُصفّى ، ويصدح كل ثغر بالزغاريد ويفرح لها كل قلب ، وتتسع كل عين
فلا يغمض لها جفن ، وكل فم يتذوق ما لذَ وطاب ... لا تقلق ستأتي امك وبما
تشتهيه من طعام وما تحبه انت من فواكه وحلوى ... كانت تتكلم وبكفها المرتعش
تمسرح له شعره كي تزيده ثقة وارتياحا ، الا انه يتلهف الى نهاية كلامها ولم
يصبر حتى قاطعها قائلا
--- واذا امي تأخرت ، ماذا سيكون ...؟ هنا نفذ صبرها واجابته بعصبية
--- انها تُحرم من دخول دارها ، واذا ما دخلت سوف تُعزل ... اجابها
--- لا،لا،لا، ولكنه دارها، تدخل ولا تُعزل ...
--- يا بني ، انه الايمان ، ايماننا وايمان امك ، اقوى من ملكية الدار واي
شئ فيه... لم يفهم ما قالته ، لكنها وضّحت له الامر ... تتذكر مرة انك اردت
لبس البياض لتتعمد في الماء الجاري حتى لو اصبح ثلجا ، ان حبك الشديد
للتعميدفي اصعب الظروف معناه الايمان ... تخدّر بكلام جدته دقائق ، وسرعان
ما قفز الى الباب ينظر الى الطريق والى السماء يأمل ويتوسل ... ثم لاحت
عباءة سوداء تقترب من بعيد فأخذ يبحث عن ابتسامة الوجه حتى اقترب ، واذا
بها ابتسامة امه كبلسم شفاء ، لوّحت له بما جلبته اليه ، فتح ذراعيه واحتضن
امه بنَفَس عميق وكأن عرق تعبها ورائحته ، عبير ورد فاح من جسمها .اخذ ما
بيدها يتفحصه وهو يروي لها قلقه وكم خاف تأخرها ....
كانت الملابس البيضاء في حركة دائبة ، منها من دخلت مرتديتها، ماء النهر
لتغتسل ، ومنهن من رفعت يديها الى السماء تعيد الدعاء مرارا ، ومنهن من
تطّهر اوانيها وطعامها استعدادا لهذه الليلة ... على جانبٍ جلست الجدة
الثانية للطفل تدوف الصلصال بخَبَث القش كاسطوانة ثم تجهز عليه بيديها كي
يستدير لتصنع منه ( طريانة ) اناء دائري له عدة تجاويف ، وهي في هذه الحالة
العُجلى من امرها لأنها تأخرت عن تحضيرها قبل ايام .. اقترب منها الطفل
متفحصا ما تعمله ، قال لها
--- ماهذا يا جدتي ...؟.
--- ( طريانة) اضع فيها بعض الطعام من خبز وخضار وفواكه وقدح ماء وسراج يضئ
سبع ليالي .
--- وبعد السبع ليالي ...؟
--- وبعد ، ما في الطبق نصيبك ... اقترب منها اكثر وهمس باذنها بليونة
المتوسل مع ابتسامة اقناع
--- اذن ، ضعي فيه انواع الحلوى ايضا ... اصبح الطفل مرحا كثير الحركة بين
امه وجدتيه واحيانا يبتعد يلقي النظر الى تلك الملابس البيضاء الدائبة
الحركة ، الى النهر ومنه ، واذا ما اقترب من واحدة نهرته بالابتعاد عنها كي
لا يمسها وهي تحمل اناء نحاسي مملوء من ماء النهر وقد ابتلت عباءتها ،
واخرى تدّس في جيبه ما لذ مع قبلة ترسمها على جبينه وهي تؤشر له ان يبتعد
عن ذلك المكان من دار امه الذي فرشته حزما من القصب وسعف النخيل الجاف حيث
مددت عليها كبشا مستسلما لمصيره وقد ربطت ارجله بحبل من نبات وبجواره اناء
ماء وسكاكين وملحا وقطعة من سعف النخيل الجاف وعلبة كبريت . والطفل لا
يقترب مطيعا ينظر ما يحدث ، اتى رجلٌ ذو لحية بيضاء بملابس بيضاء ، خلع
قبقابه الخشبي ومسك سكينا ، والمرأة بجواره تمسك قطعة السعف الجاف وعلبة
الكبريت ، لم يتم الطفل مشاهدة ما يحدث حتى سمع مناداة جدته الاولى له
يتكرر ، أن يأتيها بقصبة طويلة تستعملها هذه الليلة لطرد القطط التي تبعثها
ام الشر كي تبطل قداستهم بلمس اوانيهم او سرقة لحم ، الا ان ام الطفل
قاطعتها قائلة
--- لا حاجة لكِ بها فقد احضرتُ اصابع ( جرّاق ) بارود ...كادت الام ان
تشرف على انهاء واجباتها اللازمة لهذه الليلة ، اذ فرشت فسحة الجلوس بسطا
واخفت الحيطان وراء الاوسدة وملأت الاواني ماءً وعلّت الفواكه والخضار
وقطّعت اللحم وقسمته فما يؤكل الان حفظته في صندوق خشبي يتمدد فيه قالب ثلج
ملفوف بقطعة قماش من الياف القنّب يحميه من الذوبان السريع ، ثم هيأة حجر
البخور وعيدانه ، حرقت اجزاء من هذا الحجر ولفت به الدار تسمي وتدعو الصحة
والعمر الطويل لابنها وان لا يصيبه اي مكروه وهكذا لجميع الناس ، ثم علّقت
العيدان بثقوب الحائط تنفث دخانها ،لفّت انابيب اسالة الماء بقطع القماش كي
لا ينسَ احدهم استعمالها ، اما الجدة الزائرة فقد قامت بنصيبها من العمل
حيث احضرت اواني الشاي واوقدت حطب منقلة الشاي ووضعت القوري جواره ، ...
انهى الرجل ذو اللحية البيضاء واجبه وقبل مغادرته المكان سأل ام الطفل عن
مساعدة يبديها لها او ما اذا كان هناك نقص في مؤنتها يجلبه لها ، اجابته
بالشكر وذكّرته بتلك الارملة حيث ارسلت لها قطعة لحم وخبزا ، فهم لا ينسون
احد في مثل هذا النهار الذي يسبق هذه الليلة بابداء المساعدة والجود ، خا
صة الارامل والمرضى والمحتاجين باعتبارها واجبا اجتماعيا وثواب فحب عمل
الخير يعمر قلوبهم .... وقبل اقتراب الساعة توجهت الانظار الى السماء صامتة
تدعوا الخير وابتعاد الشر حتى اذا ما لاح شعاع ابتسامة النجمة ، اهتزت
السنة النساء زغاريد ، وفاحت رائحة البخور ، وتعشّقت اصابع الاكف ، والتصقت
الصدور بالصدور ، وتلامست الخدود بالخدود ، وانسدل الستار عما بدر وصار مما
شان ، عن طريق قبلة ترسم على الخد والفم والجباه ، هكذا تبدأ هذه الليلة
المقدسة ، وتتخللها حتى الصباح ، الاغاني والرقص والشرب والاكل ولعب الورق
اوالطاولي اوالمحيبس حسب كثرة الافراد او العاب السخرية من كل فرد يغلبه
النوم ،وطرد الارواح الشريرة المتمثلة بالقطط خاصة ، بقصبة او اصبع بارود ،
ولا يأتي ببال احد التجرأ والخروج امتار عن حدود الدار او اطلالة الراس من
نافذة ... هكذا تبدأ هذه الليلة وتنتهي ايام كان يا ما كان ...؟.


عبدالكريم الصابري
زفولا هولند

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي