wrapper


كان لا يحِلُّ حلاقة شعر ذقنه او شعر رأسه ، فكان يضفر لحيته الى الخلف فتظهر أصغر من طولها الحقيقي ، وكان العقلاء يعتبرونها رمزا للوقار ، ولم تكن بأية حال مكناسة غبار كما تشبهها بعض ( الاكثرية ) من قومه الجهلة ، ولم تكن جامعة قملٍ في كتابات أضألهم ...؟. ويضفر شعر رأسه ضفائر معدودات تتدلى أحيانا على رقبته ، وقد تداخلت نهايات شعر شارباه بشعر ذقنه فلم يظهر من فمه غير أسنانٍ بيضاء جلاها الخمر بكحوله ، وتعتليها عينان تَسِما صاحبهما بالذكاء لحدّتهما .. كان يفترش بساطا من صوف الغنم مخطط بألوان عديدة ، ويتكئ على وسادة منسوجة بالطريقة نفسها ومحشوة بالصوف ، ولثقلها كانت تستعمل للمزاح ايضا ، كان في جلسته يمطل رجل اليسار على البساط ويشقلُ ساقه اليمنى بحيث يستطيع ان يضع صفيحة الفضة على ركبته اذا ما بدأ بالنقش عليها ، ذلك النقش الذي اثار اعجاب الاجانب في ذلك الوقت لِما فيه من مهارة فنية بالاضافة الى مهارته هذه فهناك مهارة وخبرة في تحويل صفائح الفضة الى ازهار وطيور مجسمة مزينة بالمينا التي لم يعرف صناعتها حتى الاجانب الى ذلك الوقت باعترافهم في مؤلفاتهم الخاصة .. كان له صبْيان يعملون تحت يده ليرثوا هذه المهنة اذا ما كبروا.. لكل عائلة كانت في ذلك الوقت ، مهنة او حرفة تختص بها حتى انَّ بعض العوائل تتلقب بإسم المهنة التي تزاولها ، وهكذا كان يضاف الىاسم هذا الرجل الشهير اسمَ مهنته وينادى عليه بهرمز الصائغ والذي اشتهر به بين الاجانب خاصة ، والذين كانوا يجوبون البلد ايام الانتداب بألبستهم المميزة ولسانهم المختلف وحبهم الشديد لفن الفضة الذي كان هذا الرجل علما من اعلامه عند هؤلاء الاجانب ، خاصة كان هذا العَلَم يستخدم الاجهزة والادوات البدائية كبقية افراد ( أقليته ) في تحويل خامات الفضة الى صفائح وأواني ومجسمات ، وكان يقوم بهذا العمل ابناءه ، فاذا اراد صنع صفيحة من الفضة يأخذ احدهم بعضا من خامات الفضةويضعها في (بوتقة ) مناسبة الحجم لكمية الخامة ثم يضع البوتقة وسط كمية من الفحم الذي يتوسط ( كورة ) فرن والتي تشبه شفقة العم سام ، مصنوعة من الطين الاحمر المداف بكمية من التبن ولها فتحة جانبية من الاسفل تمتد الى مركز اعلى الكورة حيث الفحم المشتعل ، وهناك منفاخ من الجلد يوجه الهواء عن طريق الفتحة الجانبية الى الفحم ، واذا ما انصهرت الخامة يضع فوقها كمية قليلة من مادة كيماوية تعطي الوانا زاهية عند ذوبانها بالصهير فتساعد على التخلص من الشوائب العالقة في الفضة الخام ، ثم يصبُّ الفضة المصهورة في مجرى يتوسط اداة حديدية ( الريزك ) لها مقبض للمسك وحالما تبرد يضعها في الماءلتنعدم حرارتها ، وبعدها ياخذ جزء من قضيب الفضة هذا حسب الحاجة ويضعه على خشبة بقدر كف اليد ويوجه اليها نارا صادرة من سراج نفطي له فتيل من نبات خاص عن طريق النفخ القوي بمنفاخ معدني طويل وهو عبارة عن انبوب مجوف يوجه طرفه المعقوف الى النار وينفخ بالفم من الطرف الثاني فتحمر الفضة ثم يضربها وهي حمراء بمطرقة على سندان حديدي كبير لتوسيع مساحتها وتخفيف سمكها وصقل سطحها ، تعاد العمليةعدة مرات حتى تصبح صفيحة فضة جاهزة للعمل فيها ...



في احد النهارات المعتدلة الحرارة كان هذا الرجل بثوبه الابيض الخفيف يقوم بنقش صفيحة فضة مسمرها على لوحة خشب صغيرة مسندا اياها على ركبته ، وقع نظره على صفيحة فضة اخرى بين ثنايا البساط الذي يجلس عليه ، رفعها الى اعلى يتفحص ما فيها من خلال نظارته الطبية التي اتكأت على نهاية عظمة انفه بحيث تجعله حرّا في ان ينظر من فوقها اذا ما توقف عن العمل ليكلم شخصا آخر ، وجد في هذه الصفيحة نقشا لم يكن بنقشه يماثله في المهارة ، صمت برهة يفكر وهو يسرح بلحيته ، ثم ابتسم لأنه اهتدى الى مَن هو نقّاشها ، فصاح عاليا

--- يا أسمر

جاءه الصبي الذي يتصف بوجه مدور وفم مشدود بطريقة تُظهرهُ بأبتسامة دائمية حتى ان الكثيرين يربطون شخصه بهذه الابتسامة .. تفرس الصبي وجه ابيه ليعرف مقدما ما في رأس ابيه من افكار ، لكن الاب لم يُعبر ولو قليلا عما يفكر ، فتنازعت الصبي الحيرة ، ولما أبرز الاب صفيحة الفضة امام الصبي أخذ الصبي يتفرس وجه ابيه مرة ثانية ليعرف من ملامحه التحميد ام التذميم ..ساله الاب

--- مَن نقش هذا ...؟... اجابه الصبي متمتما

--- أ،أ، أنا يا ابي ... وهنا ابتسم الاب وقال له بتباهي

--- اجد فيك خير وريث لشجرتنا ...في هذه الاثناء دخل عليهما اجنبي متخوذا بخوذة خاكية تعلوها قطعة معدن فضي وفي فمه غليونا ينحني الى الاسفل ولدخانه مذاق خاص ، يتبنطل ببنطلون يصل حدّ ركبتيه ، سلم وهو يبتسم ثم داعب الصبي بالربت على رمانة كتفه وهو يناوله نوعا من الحلوى ثم جلس قبالة الصائغ ، وهنا ناوله الصائغ صفيحة الفضة وقال له

--- انظرْ لهذا النقش ...؟... نظر الاجنبي الى الصفيحة وتمعّن في نقشها وشكَّ ان في السؤال سرا واخذ يحدث نفسه ( لو كان هذا الصائغ نقّاشها ما سألني هذا السؤال فانا على معرفة بفنه ) وهنا نظر الى الصبي وسأله

--- هل انت نقشت هذا ...؟. اجابه الصبي فرحا

--- نعم ( مستر ) .وهنا سأل الصائغ الاجنبي

--- ما رأيك فيه ...؟ اجابه

--- اجده نسخة من نقشكَ ..قال الصائغ

--- اني جدا فخور بهذا الصبي ، لانه لم يسبق لي ان علمته ، ثم سال ابنه

--- قلْ يا بني ، كيف تعلمت هذا النقش ...؟.اجابه

--- اُلاحظكَ دائما يا ابي ، كيف تحدّ قلم النقش وتمعنت في حافة القلم وزواياه ، ثم لاحظتك مرارا كيف تمسك بالقلم وكيف تميل القلم على صفيحة الفضة ... هنا ابتسم الاجنبي واخذ يتكلم مع الصائغ

--- اني اكرر القول لك كما كررت القول الى اخيك زهرون الشهير واكدّت الى رجال دينكم مرارا ؛ اننا فخورين بهذا الفن ونحن بحاجة الى اياديكم الماهرة ويد هذا الصبي دليل على ما اقول ، لقد درسنا حالكم جيدا واتمنى ان يوافق رجال دينكم واقناع (اقليتكم ) بالهجرة الى بلدنا ، سنخصص لكم ارضا جميلة ننشئ عليها مساكنكم ومدارس خاصة لكم تستخدمون فيها لغتكم ، ومحلات للعمل، وتقع الارض على نهر جاري المياه يتناسب مع طقوسكم الدينية وتتمتعون بالحرية التامة في العبادة والعمل والحياة وتحفظون كرامتكم ، نرجو موافقتكم وهذه فرصة ارجو لا تضيع من اياديكم .. وهنا سأله الصبي

--- وهل يوجد في النهر سمك ...؟. ضحك ابوه وابتسم الاجنبي وفي فمه الغليون

--- نعم ، كثير جدا ، تستطيع ان تصيد فيه سمك كل يوم

.............................................................

تصبح العبودية جزءا من حياة الانسان اذا ما عاشها احقابا ، ويصبح مكان قبور الآباء والاجداد موطنا لا يعوّض ، وسذاجة الانسان تجعل عاطفته تغلب عقله فيقصر نظره ...وهكذا ضاعت هذه الفرصة من يد هذه ( الاقلية ) ، فأورثوا لأخلافهم الذّل الديني للأكثرية من قومهم الذي فرز الخوف الذي انغرس في نفوسهم وأصبح ميزتهم ، فانمحت لغتهم الخاصة ، وتغيرت اسماءهم ، وأصبح التكتم في ممارسة طقوسهم الديتية اكثر خوفا من وطأة وقع الحجارة عليهم ، ووصل هذا التكتم الى درجة عدم اباحة التعاليم الدينية لأبناءهم إلا قشورها ، وألبسهم الخوف وجهين ؛ وجه العبد يتعاملن به مع الآخرين بوداعة ، ووجها مخفيّا ينفسّون به مع بعضهم آلامهم ...

لم يكن هذا الرجل الوحيد من بين افراد اقليته ، رمزا لهذه المهنة فقد خلّف هو وغيره ابناءً يُشار الى فنهم بالبنان وأصبح هذا الفن ملتصقا باسم هذه الاقلية ، حتى انَّ معارضا قد اُقيمت لفنهم خارج البلد وحصلوا على شهادات تقديرية ، ومن خوف احدهم حرق شهاداته التقديرية لفنه في مدينة البصرة ، عندما تغير نظام الحكم الملكي في تلك الفترة ...

كان من فنهم في الفضة ؛ النخلة المجسمة التي اصبحت هدية المناسبات الرسمية ، ومزهريات ، وباقات الورود المجسمة ، وحيوان الجمل ، واسد بابل ، والملوية ، وطاق كسرى ، والسيوف ، والسفينه الشراعية ،ومناظر الهور ، وصندوق السكاير ، والمينا الملونة ، وقطع فضة متنوعة يستعملها الاجنبي في بيته ومكتبه ، ورسوم وجوه الاشخاص على الفضة التي تفنن بعضهم بها وصلت مساحة الوجه (سم مربع ) واحد ، ووجوه تتشكل من الاسماء ، ومحابس ذات الحروف الانكليزية المجسمة

كان غذاءهم اليومي ؛ الحليب واللبن الخاثر والزبدة والتمر والسمك ، اما ولائمهم مهما كانت مناسباتها فالطعام المقدم فيها هو طير البش وجذور الفجل واوراقه وقدح الخمر الابيض ، ويحرمون اكل لحم الحيوانات إلا ذكور الخراف التي لا تُذبح الا في مناسبات التذور وبعض الاعياد ، وكانوا ميّالون الى شرب الخمر الابيض الذي يكاد يكون يوميا عند غالبيتهم ... كانت بساطتهم تتبرعم منها صفات الإئتمان والثفة ، اما الخيانة فلم يكن لها وجود في سلوكيتهم .

....................................................

لقد هبّت عليهم رياح التغيير عدة مرات ، كانت الاولى بين العشرينيات والثلاثينيات من القرن السابق عندما كانت المهنة واليد الماهرة هي سيدة السوق و(المستر) يجوب الشوارع ، ثم جعل النفط ؛ السيارة تزاحم عربة الحصان وركوب الحمار والمشي على القدمين ، والمعلبات تزاحم التمر ، وحذاء الجلد يزاحم قبقاب الخشب ، والشفقة تزاحم العقال ، والبنطلون يزاحم السروال ، ولغة (اليس ) تزاحم لغة النعم ....

ثم هبت عليهم رياح التغيير في نهاية الاربعينيات من ذلك القرن ايضا ، فتحولت الفضة ذهبا ، وهنا كان التغيير الجذري في حياتهم ؛صارت كورة الطين فرنا حديديا ، وصار منفاخ الجلد جهازا غازيا ، وصارت المطرقة التي تحول حبات الفضة الى صفيح آلة كبيرة ، وصار جرار الخشب خزانة حديدية ، وتنوع الاكل والشرب والملبس ، حتى اصبحوا مثلا للغنى .. لكن انوفهم بقت تشم هواء العبودية وإنْ تغيرت وتنوعت اجلالها ، وجعلهم الغنى في استرخاء ابعدهم هذا الاسترخاء عن مستقبل ابناءهم على الاقل ... ومرّت السنون وهبّت عليهم رياح اخرى ، فأخذوا يُذبحون قرابينا في معبد الحروب ذلك المعبد الذي لم يرويه الدم النازف على مرّ مراحل التاريخ ، وستبقى القرابين لا تروي ضمأه ...؟. فهربوا بجلدهم ، وتشتتوا عوائلا وافراد في مختلف بلدان العالم ، واحمالهم على ظهورهم مشدودة ببعض الخيوط من النسيج النادر لدينهم وهم ينظرون الى الارض والدموع تذرف على الخدود ، وندموا حينما لم يسمع احد منهم نصيحة ( المستر ) ولا نصائح الفاطنون منهم.

استقرت بعض العوائل التي فقد بعضها ابنا او ابنة او ابا او امّا ، في بلدان مختلفة الثقافات بما فيها اللغات ، فأخذت بالاندماج التدريجي بتلك الثقافات ؛ فإن كان يصعب على كبير السن ذلك فلم يصعب على الشاب ، اما الطفل فاصبح ابن ثقافة ذلك البلد وبهِ انقطع اصبعا من اصابع العائلة في خسارة طفلها .. ولما شعر اهل الدراية منهم والنابهون ، الى خطر الاندثار ( لأقليتهم ) ذات التاريخ السحيق ، دعوا الى وحدة الصف والتمسك بأكبر رابطة تربطهم والتي تعزز بقاءهم في غربتهم ، ألا وهي رابطة الدين ، فأسسوا جمعيات وحرروا مجلات تدعوهم للإلتفاف حول دينهم واخذوا ينشرون تعاليمه بلغة الام ، لكن صعوبات جوهرية ظهرت لهم ، فلغة الام التي تربطهم ايضا تمزّق نسيجها بين اجيالهم الجديدة التي لم تُحسن غير لغة البلد الذي تسكنه وبعض العبارات من لغة الام ....ولم تربطهم غير الاتصالات التلفونية والزيارات الصعبة التي تكلفهم مبالغ كثيرة لا يقدر الكثيرون على صرفها ، وما ادناه من أمثلةعلى اتصالات تلفونية وسفر اللقاء والاجتماعات والاحتفالات إلا توضيحا لمعاناتهم وآلامهم والخوف من ضياعهم ......

--- هالو..

--- هالو ...مَن يتكلم ...؟.

---انا ابنك ، ألم تعرفني ، ما أخبارك يا ابي ...؟.

--- اخباري جيدة ، لازلتُ في مدرسة اللغة يصعب عليّ تعلمها ، والكآبة قتلتني . ، وانت ...؟.

--- انا الآن اعمل في معمل لتعليب اللحوم

--- وشهادتكَ الجامعية ...؟.

--- سأعيد الدراسة ، ولكني يجب ان اعمل

--- هل من معارفنا معكَ ...؟.

--- لا أحد غيري هنا ، حياتي صعبة يا بابا ، اعمل حتى الساعة الخامسة وبعدها اطبخ وانظف ...

--- ما رأيك في ابنة خالك ...؟.

--- قوانين البلد لا تسمح بسحبها ، بصراحة اميل الى فتاة تعمل معي واخلاقها عالية و،وجميلة ولا اجد افضل منها

--- ---------------

--- هالو

--- هالو ، اخي العزيز انا في حيرة ابنتي طرحت مواضيع مهمة بالنسبة الى ولدكَ مع انها فرحت كثيرا

--- وما هي هذه المواضيع المهمة ، لها ما تطلب

--- لا يا أخي ، لم تكن طلبات وانما قالت لي ابن خالي عزيز علي ولكني على وشك التخرج من كلية الصيدلة وهذا معناه الرجوع الى نقطة البداية في بلده وهذا خسارة من عمري

--- هالو
--- هالو ، مساء الخير
--- صباح الخير ، ها ، ها، ها، عندنا الان صباح ، حتى الساعة فرقتنا

--- الى اين وصل موضوع الخطوبة ...؟

--- لقد وافقت الدكتورة ، قالت ان لغة دراستها هي نفسها لغتكم ، اما وظيفته ( البسيطة ) فشئ ثانوي كما قالت ، وشرطها الوحيد هو نقل لجوءه

---------------

--- هالو

--- هالو ، كيف حالكِ وحال ابي ، لقد وافقت الدولة بنقل لجوءكما لكبر سنكما لكن المشكلة هي رفض التأمين الصحي بحجة ان مرتباتكما من دولة اخرى ، وانتم يجب ان تدفعون اقصاط التأمين

--- معناه ندفع كثير من دخلنا

--- ما باليد حيلة ، سأواصل زياراتي لكم في كل سنة وحسب امكانيتي المالية

--- هالو

--- هالو، كيف حالك و ما اخبار ابنتك ، سمعت انها تخرجت مهندسة

--- نعم ، وتعيش مع صديقها مهندس ايضا كان يدرس معها

--- تقصدين تزوجت ...؟.

--- لا، وانما تعيش معه ،هذه طريقتهم هنا قبل الزواج

--- كيف سمحتِ لها ، هذه ليست عاداتنا

--- انها اجنبية منذ الطفولة ولا تفهم من عاداتنا شيئا ...

--- طبعا اذا الكبير لا يؤمن فكيف الصغير ...؟.

في حفل بمناسبة دينية اقامته احدى جمعياتهم ، حضرته كثير من العوائل من الدول المجاورة وكان هدف هذه العوائل هو ، الالتقاء بالاقرباء والاصدقاء بعد غياب طويل .. تحول الحفل الساهر الى سهرة (بحث المتاعب ، والمشاغل ، والمشاكل ) ، وكان فرح اللقاء معجون بألم التشتت .. اخذوا يتحدثون عن المتاعب التي لاقتهم اثناء مسيرة وصولهم الى بلد اللجوء ، والمشاغل في اللغة والسكن والعمل ، ومشاكل

تشتت العوائل وصعوبة جع الشمل ..... وبعد ساعات افتتح الحفل المسئول واخذ يرحب بالحاضرين ويشرح معنى هذه المناسبة ويدعو الى وحدة العائلة وبارك لهم افراحهم ... ثم بدأ الغناء والرقص بعد ان اخذ كل واحد مجلسه مع قريبه ... سأل احد الاطفال ابيه

--- بابا ، ماذا قال هذا الرجل ، لم افهم كلامه ...؟... اجابه الاب

--- حقا ما تقول لانك لا تفهم من لغتك الا قليلا

--- ولكنه بدأ بكلمات غريبة ايضا ...؟.

--- نعم ، بدأ بكلمات من لغتنا الدينية

--- وما معناها ...؟.

--- انا لا افهمها ايضا ولكنها وصايا من كتابنا المقدس

--- وما هو كتابنا المقدس ...؟.

--- الآن وقت الشرب والغناء ، اذهبْ للعب مع ابنة عمك

--- لا أريد اللعب معها فأنا اتكلم معها فلا تفهمني وانا ايضا لا افهمها ، طلبتُ منها ان تشبك اصابعها باصابعي في لعبة ولم تفهم ما اريد ، انها أضجرتني ......بعد انتهاء السهرة عادوا الى بلدانهم مشتتين وفي افواههم لذّة الطعام والشراب وفرحة اللقاء

في يومٍ ما اجتمع عليّة القوم في بلد لجوءهم لبحث مشكلة التشتت وما تخفيه في طيّاتها من مشكلة الضياع وتوصلوا الى حلول ، اعتقدوا انها تقوي وحدتهم وتديمها ؛ تأسيس الجمعيات والنوادي ، الاهتمام بالمطبوعات ، بث الوعي الديني وتثبيت الايمان بالنفوس ، تعليم اللغة الدينية ، تعليم لغة الام ، تشجيع السفر واقامة المعسكرات العائلية والشبابية ,,,الخ ... ثم تداولوا صعوبات هذه الحلول ... سألهم احدهم

--- كيف يتم الوعي الديني ...؟.اجابه آخر

--- عن طريق طبع التعاليم الدينية وترجمة الكتاب المقدس ... سال آخر

--- ولأية لغة ...؟... اجابه احدهم

--- لغة الأم ... ردّعليه

--- لغة الام يفهمها الكبار وماذا عن الصغار ...؟..

--- العائلة تتعهد بتعليم لغة الام إنْ كانت تسكن وحدها ،و الجمعيات تتعهد بتعليمها اذا كانت مجموعة عوائل تسكن متقاربة ... علق أحدهم بأن طفله يسدَّ اذنيه عند سماع قناة تلفزيونية بلغة الام ويستسخف ما تبثه فلا يستسيغ حتى افلامها ... سأل آخر

--- كيف نعلم اللغة الدينية لأبناءنا ونحن لا نعرف منها شيئا ...؟.. اجابه آخر

--- عن طريق نشر الدروس الدينية المترجمة

--- الى اية لغة تترجم ونحن في بلدان مختلفة اللغات

--- انها معاناة لا ينكر ، يجب بذل الجهود لتعليم لغة الام التي هي الحجر الاساس ، وهذا يتوقف على جهود العائلة لأنها هي القاعدة التي ننطلق منها في حل مشاكلنا هذه

--- مَن يتبنى الترجمة والنشر ...؟.

--- اية جمعية فيها المختصين في هذا الامر

--- سننتظر سنوات لذلك

--- لاأبدا ، فقد بدأ العمل في بلدان أخرى ذات كثافة عائلية كافية وبالأمكان الاستعانة بها

--- كيف ، وهم يتفاهمون بلغات أخرى ، اذا ما نظرنا الى مصلحة اجيالنا

---عادت الينا نفس المشكلة ، الحل هو لغة الام ، توضع اساسا للترجمة ... قال احدهم

--- تُحمّلون الطفل فوق طاقته ، يجب عليه ان يتعلم لغة بلده التي تفرض عليه مدارسها تعلّم لغة أخرى بالاقل ، ثم تريدون منه ان يتعلم لغة الام واللغة الدينية ... صمت الجميع واستغل احدهم الفرصة هذه وقال

--- اخجل ان اقول ان ولدي الشاب ، متمرد على الافكار الدينية ويفكر بعقلية عصره ... رد آخر

--- هذا تقصير منك في تثبيت ايمانه عند طفولته التي فيها يُربى الطفل على الانتماء , فلا نأخذ المجموع بجريرة احد المتمردين ... اجابه

--- اَنسيت الماضي وما كنّا نعانيه وخاصة نحن الاجيال السابقة التي تخاف ان تبوح حتى بانتسابها الديني ، انكم تتناقشون وتغضّون النظر عن حقائق جوهرية ، لقد اندثر الدين قبل اجيال ولم يبقَ منه غير المراسيم الدينية المحوّرة ، وذبنا في افكار دين الاكثرية التي كنا نتعامل معها في خوف مطبق .مَن منا يعرف عن دينه غير مراسيمه المحورة في الموت والزواج حتى باتت اجمل اعياده من المنسيات والتي كانت ليلة ذلك العيد من اجمل الليالي يلتقي فيها القاصي والداني من افراد العائلة والآن ماذا عنها ...؟. حتى المذهب التقليدي وهو ابسط مذاهب الايمان يكاد يختفي من عندنا ... ردّ عليه احدهم بشدّة

--- هذا تبرير للوهن وللضعف الذي كنت تشعر به ، فهناك شواهد تنقض ما تدعي ، ألم تكن هناك أقليات كانت تعيش بنفس ظروفنا تحت طائلة التعصب الديني وبقت محافظة على هويتها الدينية لأنه لا يوجد قانون مدني يحرم ذلك ولا ينكر ان ذلك يعتمد على الظروف السياسية ، ثم اي دين لم يتكيف مع ظروف الحياة المستجدة من اديان الاكثريات الى اديان الاقليات ، ان تربية الطفل على المبادئ الدينية هو أهم حجر للإيمان وهذا منتفي عند عوائلنا ... اجابه بهدوء

--- نعم ، نعم ، ايضا الملحد كان طفلا وربما منحدرا من عائلة متدينة .. ؟..ثم ان هناك خصوصيات للفرد و للمجموعة ، هو النزوع الى التحرر مثلما في السياسة ، في الادب والفن وايضا في الدين ، وإلا لبقت حياة الانسان في فترة آدم وحواء ... علق احدهم

--- نحن في عصر التمرد والحلول اكبر من طاقتنا وانتم تضخّمون المشكلة هذه اكبر من حجمها ، فلا زالت اقليتنا بخير ، فالاعداد التي خرجت الى مختلف البلدان وتشتت هي جزء من المجموع الذي لا زال في الوطن الام يحافظ على تراثه بالاضافة الى الاعداد الاخرى التي سكنت بعض القارات بكثافة ، ملتمة الشمل وممارسة لطقوسها الدينية .. نحن لسنا اقوى من التاريخ حتى نستطيع التأثير فيه وحسب امكانيتنا ، مثلما الشعوب تتفكك كذلك الاقوام والاقليات ، ادرسوا التاريخ البشري والسياسي ، ارجو ان لا تعتبرون هذا يأسا منّي او احباطا والذي ارجوه منكم ان نفكر بعقلية واقعية ، هل هناك من امكانية مادية ملموسة لا كلامية لجمع شتات عوائلنا المتناثرة مثنى ومفرد تحت سقفنا الديني والذي له الاولوية في توحيد مجتمع مهما كان صغيرا ، انا مثلكم ويحزُّ في نفسي ان يكون لي شاب او طفل لا أفهم ثقافته الجديدة بما في ذلك شعوره وفكره ولغته ، ولكن لا أجد في يدي حيلة وانا وراءكم بالمادي الملموس لا بالكلام والاجتماعات ... صمت الجميع ثم علق احدهم

--- هذا معناه ان نضع الايادي بالجيوب ونستمر على شرب الخمرة ولكن بكثرة هذه المرة حتى ننسى همومنا ... اننا كبشر يجب ان لا يتسرب الاحباط الى نفوسنا ويجب ان نصارع القدر من اجل قضيتنا واني متفائل بأن هناك مَن له امكانية العمل وعلينا سبق الزمن ، وإلا فالمتمرد اليوم يصبح مارد غدا ... قال اكبرهم

--- المناقشات لا تنتهي ، نحن وضعنا الاسس وهذه امكانياتنا وما تظهر من مشاكل في التنفيذ هي مسؤلية الجميع ، اصحاب الاختصاص والجمعيات والعوائل والافراد

انقضى الاجتماع بين التفاؤل والتشاؤم ....

بعد فترة ، جلس البعض يعلق على ما دار في اجتماع عليّة القوم
--- ما رأيكم بالاجتماع ...؟.اجابه احدهم

--- بصراحة ، انها معاناة ،حلولها ضعيفة ولِأجيالنا فقط ، اما احفادنا القادمة ، سوف لا تربطهم رابطة دينية ، ولا يعرف بعضهم بعضا ، وينسون اصلهم ...

--- مثل الغجر

--- لا تظلمهم ، سيكونون متحضرين ، ومستقرين في عمل وعوائل ولهم تأثيرهم في مجتمعهم

--- هل توجد امكانية لجمع شملنا في بلد واحد ...؟.

--- نعم ، هناك اصحاب الملايين ، وهناك الرغبة ، وهناك ذوي الباع في القوانين والمنظمات ، وشخصيات لها وزنها العلمي الدولي ، بالاضافة الى ادباء كبار وفنانين

--- نحتاج الى جهود جبارة وسنين

--- سمّوني متشائم ، منذ زمن و النزعة الدينية صارت ضعيفة ، ثم عبادة المال ، الانشقاقات ، ثم جاءت الغربة وعززت هذا ..... نهض صاحب الدار وجلب لهم صينية فيها بيرة حسب الرغبة ... كرعوا ... علّقوا على مذاق البيرة وانواعها ...استمروا بالكرع .



عبدالكريم الصابري

هولندا زفولا العاشر / 2000

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي