wrapper


كان له كلب صغير متدلي الاذنين ، طويل الشعر ابيضهُ ُ، كحيل العينين وسِيعهما ، اسود الانف الذي لم يدبق الا نادرا ، ما توقف ذيله ابدا ولو لساعة واحدة ما دام رفيقه لا يكلّ ولا يملّ من اللعب معه من الصباح الباكر حتى غروب الشمس ، وما ان يُبان الخيط الابيض مع صياح الديكة حتى يبدأ كلبه بايقاضه في شمّ وجهة

 وتحسيسه بزفير انفه الحار ، فينهض الطفل مذعورا وكأنه قد تذكر شيئا فقده ، فسرعان ما يتجه الى شجر

النبق او النخلة ليفرغ ما في مثانته من بولٍ ، وهو يميل باليتيه يمنة ويسرة وكأنه يخبر كلبه انه سياتيه على التو ، ولكن كلبه يسبقه الى خارج الدار راكضا نابحا، يركض ثم يقف ويركض ثم يقف ..وعند وقوفه يثني رجليه الاماميتين ويحني راسه عليهما وينبح ، ثم يعيد دورانه ، وما ان يلحق به الطفل ويقترب منه حتى يعيد ركضه ونباحه والطفل يركض وراءه ..الى ان يدبّ فيهما التعب ، فينبطح الطفل على الارض فاتحا يديه الى كلبه فيثب هذا متوسطا صدره ثم يقوم بلحس وجهه بلسانه المبتل .. وهكذا يستمر صباحهما في اللعب حتى يعودان الى الدار وقد شعرا بالجوع والعطش وما هي الا دقائق حتى تحضر ام الطفل حليبهما ، فيشرب الطفل حليبه في اناء خزفي مدور ويلعق الكلب حليبه في اناء خزفي مسطح ، وكثيرا ما يمثل الطفل كلبه في لعق الحليب ، لكن امه تمنعه إ
نْ حضت به فلا يأبه لها لانه اعتاد هذا التمثيل ، فيثني يديه ويحني راسه فوق اناء كلبه وياخذ بمشاطرته اللعق ، وكثيرا ما كان يتقاسم رغيف الخبز مع كلبه ، فيضع كسرة خبز في فمه وكسرةً في فم كلبه ، وما ان ياتي على الكسرة الاخيرة من الرغيف يطبق عليها اسنانه الصغيرة فيقضم كلبه الجزء البارز منها ، ويلوك الطفل ما بقي من الكسرة في فمه ...... اشتهر الطفل بالبراءة والصفاء بين الناس وكان سبب هذا هو سذاجته وعدم وعيه لكثير من الامور التي تجري حوله ولأنّ كل عالمه كان هو اللعب مع كلبه ولا علاقة له بغير ذلك . جعلته هذه السجية ان يكون حر في لعبه يسرح مع كلبه ويمرح فلا احدٌ ينهره او يمنعه عن كثير من الامور ... وكثير من الناس يلمسون هذا الحب الذي يربط الطفل بكلبه ، واحيانا يلتذون مسرورين اذا ما شاهدوهما موغلين في لعبهما ، ومن الامثلة التي يولي بها بعض الناس ثقتهم في هذا الطفل بما اشتهر به من براءة ، انه في مرة ختل عن كلبه وراء باب غرفة الجيران كان مفتوحا قليلا ، فسمع صوتا خافتا يناديه فتقرب الطفل من صاحبة الصوت فشاهدها تضع قطعة قماشٍ بين فخذيها ثم استدارت له وطلبت منه ان يشدّ نهايتها .. وفي مرة اخرى حيث كان يوم احد ، امتلأت دار امه بجمع من النساء والرجال والاطفال وقد اعتاد الطفل هذا الحضور بين فترة واخرى حيث يمتاز موقع دار امه بامتيازات جعلته مركز لبعض النشاطات الدينية التي تحتاج الى النهر الذي يقع عليها هذا الدار مثل التعميد والزواج والوفاة ... حضن كلبه بقوة خوفا علية من بعض الصبية ولم يسمح له بالافلات منه ، ولما ملَّ هذا الوضع حمله على صدره الى خارج الدار وعندما مرّ على غرفته والتي مُنع الاقتراب منها من الحضور ، شاهد بابها مفتوحا قليلا ليسمح بمرور الضياء داخلها .. خلس نظرة وهو مارق فشاهد امه وامراتين قد تربّعن حول فتاة ممدودة على الارض وقد ثنت رجليها وهي ترتعد خوفا وكأن النسوة يفتشن ما بين فخذيها عن شئٍ قد سرقته هذه الفتاة * مرت دقائق وقف فيها الطفل مذعورا نسى فيها حتى كلبه ، ثم فزَّ فجأة على زغردة الفرح لأحدى النساء وتبعتها اخرى وانتقلت هذه الفرحة الى الحضور المجتمع بعيدا عن هذه الغرفة .. فابتسم من ابتسم وصفق من صفق وغنى من غنى ورقص من رقص ... خرجت ام العروس من غرفة الطفل رافعة راسها الى اعلى والابتسامة لا تفارقها ومعها العروس التي ارتدت البياض رمز النقاء والطهارة ، تسير خلف امها حافية القدمين وهي تنظر الى الارض وعلى شفتيها ابتسامة العذراء .... اما الكلب وصاحبه فقد اخذا الشارع نهبا بالركض ولم يوقفهما غير اللهاث وجفاف الفم ، اخذ الطفل حصاة ولفها بمجموعة اوراق جمعها من الشارع وعملها كرة ثم قذفها وركض مع كلبه اليها ولما اراد الطفل ان يصل الهدف ، ابطأ ركضه قليلا كي يجعل كلبه يسبقه اليه وهذا شعور الحب الذي يلتذ الطفل له في إثار كلبه على نفسه ، وكرر المسابقة ثانية وثالثة وفي الرابعة سبق كلبه ومسك بالكرة التي تفككت اوراقها فتركها الى لعبةٍ اخرى حيث تقرّب من امراة كانت )تطهر ( بعض اوانيها في ماء النهر استعدادا للطبخ فيها وهذه عادة عند امه والنساء الاخريات ايضا عندما يَردْنَ طهي بطة او دجاجة ... اخذ قدرا من اواني امراة دون ان تنتبه اليه ووضع كلبه فيه ودفع القدر الى وسط النهر وهو يبتسم ويصفق ، اجتاح الكلب شعور الخوف واخذ )ينوص ( بصوت خافت يستدر الشفقه وبعد ان الِف هذا الوضع اخذ ينظر الى صديقه كأنه يطلب العودة .. وهنا علا ضحك الجميع لهذا المنظر ، ولما عرفت الامراة ان الكلب يتوسط قدرها قفزت اليه سابحة ومسكت بالقدر وقلبته حتى غطس الكلب في الماء
ولما كان الكلب يعرف السباحة بالفطرة ، توجه سابحا الى صاحبه الذي اخذ بالصياح وبالبكاء عليه فقذف بنفسه الى كلبه في الماء ومسك به ثم غطسا سوية في الماء والطفل يشهق وينتحب ثم انتشلهما بعض الحضور وهم غير راضين عن تصرف الامراة هذه فوبخها شيخهم الكبير ببعض الكلمات وكان هذا الشيخ يرتدي رداءه الابيض ويمسك بعصاه الطويلة والذي كان قد بدأ بتعميد العروس على مسافة قريبة مما حدث ، ثم قال لها ، اهذا جزاء مَن فتحت باب دارها للجميع ؟. اخذ الطفل كلبه الى غرفته التي تكاد تكون مظلمة ولفَّ كلبه بشرشف فراشه واغلق الباب عليه وخرج لوحده حزينا .... مضت ساعات ومراسيم
لزواج مستمرة ، فهنا دخان قطع الخشب المشتعل التي توسطت اناء طيني وُضع في وسط كوخ صغير بناه بعض الحضور العارف ببناءه من القصب وخوص سعف النخيل لاجراء مراسيم الزواج فيه ..كانت رائحة اقراص العجين التي تشوى على الخشب المحترق ، تفتح الشهية خاصة شهية الشباب الذين وقفوا حول الكوخ يخلسون النظر الى بعضهم بعضا مع ابتسامة ونكتة تثير الضحك وبعضهم يحاول ان يستميل شابة قد تكون من نصيبه في بناء عش الزوجية ... كان الشيخ يتوسط هذا الكوخ ، جلس على يمينه ويساره العريس وبعض الاشخاص وشيخ آخر اقل منه منزله دينية يساعده في ترتيل بعض الكلمات ويناوله بعض الاشياء ، ثم خذ الشيخ يفحص ما في قطعة القماش الابيض التي بين يديه من لوزٍ وجوز وكشمش وثلمة خبز وثلمة سمكة وهو يرتل بعض التراتيل ويقوم بتقسيمها الى قسمين متساويين ، نصف الى العريس لياكلها والشيخ والاخرون يحذرون العريس من ان لا يسقط شيئا من هذه اللقمة ، اما النصف الاخر فهو من نصيب العروس التي تحذّر هي ايضا بدورها من ان لا يسقط شيئا منها عند الاكل ، وهنا يحلف كل منهما ، العريس والعروس ، ان لا ياكل احدهما طعاما في المستقبل دون ان يعطي الاخر نصيبه منه .. وهذا معناه ترسيخ الرابطة الزوجية في العائلة .. ولما صار موعد توزيع الخبز نادى الشيخ على الطفل واجلسه بقربه وا
عطاه رغيفا وبعض مما بقى من كشمش ولوز وجوز وهو يكلمه بكلمات ترضيه لينسى ما وقع له حتى عودت امه من عملها.. اجتمع الشباب لياخذ كل منهم رغيف خبز ، ياكله ويتمنى عروسة احلامه ، وعندما سمع الطفل ما تمناه الشباب عند اكل الخبز ، اخذ رغيفا كاملا وذهب به الى كلبه الذي كان نائما واراد باية طريقة ان يُّطعم الرغيف كله الى كلبه وهو يتوسل اليه ويقول له : كلْ ، كلْ، هذا الخبز سيجعلك تتزوج ....................
( عجلة الزمن تدور وتدور ولن تتوقف ابدا ... والسنون تمر وكل شئ في الكون له كتاب مفتوح يبدأ وينتهي ولا شئ )من( لاشئ ، ولا شئ )الى( لاشئ ، ... تزوجتْ عذراء ، ووِلدتْ حبلى .. شبّ طفلٌ وهرمَ رجلٌ ومات الهرِم ... تفتحتْ جنبدة وذبلت وردة... اخضوضر عشبٌ وتيبست شجرة ... زحف دودٌ وانسحقتْ نملة ... انهمر شلال وتجمد نهر ... توسعت قرية واندثرت مدينة ... سبتتْ اُممٌ واستيقظت اخرى ... قامت حربٌ وعمّ سلام ... ولم يبقَ في غرفة الطفل غير شاب هادئ تحيط به الكتب ... اما الكلب فقد اصبح من الذكريات .؟

Last modified on الثلاثاء, 03 آذار/مارس 2015

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي