wrapper


فائزعبد الرزاق الحيدر

يحاول العديد من الباحثين معرفة الأسباب التي كانت خلف الهجرة الواسعة للعراقيين من الوطن ، وتوصل بعضهم الى أستنتاج واحد هو أن الأكثرية من الموجودين في الخارج والذين تجاوز عددهم ثلاثة ملايين عراقي لم يغادروا العراق رغبة في العيش بالخارج بل بسبب الواقع الساسي والأقتصادي حيث تعرض المجتمع لتغيرات مستمرة وعنيفة ، بل لا نغالي إن قلنا إن جميع هذه التغيرات تميزت بالعنف أبتداء بحروب الأستقلال عن الدولة العثمانية مرورا" بالأنتفاضات المستمرة ضد الأحتلال البريطاني ثم ما جرى في أعقاب ثورة تموز عام 1958 وقيام الجمهورية وحتى الوقت الحاضر. ان المواطن العراقي لا يحب الهجرة بشكل عام ، ولكنه يلجأ أليها في الظروف الصعبة والتي يعاني منها العراق منذ عدة عقود .

 

أن الأنسان العراقي المهاجر يحس بالغربة ويتطلع الى العودة السريعة الى الوطن حيث العلاقة الوجدانية المستمرة بينه وبين مرابع الصبا وأحلام الشباب , يجره الحنين أليه ويبعده الأستبداد عنه . أنه جزء من المحنة التي يعاني منها الوطن سابقا" وحاليا" ، يحس المرء بهذا القلق والحب للوطن ويعيشه في كل الشتات ، ولا يمكن للمرء أن ينس دموع العراقيين وغضبهم على من تسبب في أغترابهم وهم يستمعون الى الشعراء والأدباء الذين يتغنون بالوطن أو الى الفنانين الذين ينشدون أغاني الوطن والتنديد بالقتلة والأرهاب .

أن الهجرة تشمل فئتين من الناس:

الأولى :  من أجبرت على أختيار المنفى وطنا" ثانيا" لهم وهم مئات الألوف من العراقيـن الذين فرض عليهم النظام الدكتانوري السابق في العراق الغربة قسرا" والهروب من الطغيان والعيش في المنفى ولم يكن بمقدور هؤلاء العودة الى الوطن ألا اذا تخلى هؤلاء عن المبادئ التي آمنوا بها وعملوا من أجلها بما فيها رفض الأستبداد والأرهاب والقمع ومقاومته .                          ولم تشمل هذه الفئة المواطنين العاديين بل شمـلت حتى بعض قادة الاحزاب السياسية وكوادرها والذين عاشوا حياة صعبة وواجهتهم تقلبات سياسية عديدة أجبرتهم على التنقل بين عواصم المنطقة وتقاذفتهم سياسات هذه الفئة الحاكمة أو تلك مما  اثقل عيلهم عبأ الحياة وضغطها . لقد أجمعت هذة الفئة على إن الغربة حالة قاسية ومهلكة للنفس الأنسانية ، فالبقاء خارج الوطن بعيـدا" عن النظال اليومي داخل أوطـانهم وبين شعبهم مع تركيز الأهتمام على المعيشة اليومية عرضهم للضغوط المادية والمعنوية بحيث تقلصت الأهتمامات الوطنية والقومية أمام الضـائقة المعاشية والحياة الجديدة التي يعيشونها . إن فقدان الديمقراطية في العراق سابقا" وعمليات القتل العشوائي والأرهاب الذي تقوم به القوى الظلامية وعصابات البعث حاليا" وما يجري أيضا" في البلدان العربية وتعرض وطني هـذه البلدان لأجراءات القمع قد جعلت من الغربة والتشرد السياسي ظاهرة ملازمة للحياة العامة أفرزت العديد من عمليات الضياع واليأس وبعثت الضعف عند العدد الكبير منهم .
إن ظاهرة اللجوء والغربة لم تكن تجربة عراقية أو عربية فحسب بل كانت ولا زالت ظاهرة عالمية شملت بالدرجة الأولى بلدان العالم النامي في مرحلة أنتهاء الحكم الأستعماري المباشر . إن فقدان الديمقراطية في غالبية هذه البلدان عمق ظاهرة اللجوء مما حول هذه القضية الى ظاهرة دولية فرضت على الأمم المتحدة تبنيها .

الفئة الثانية : هي التي تعيش الغربة على أرض الوطن وتعيش الأغتراب وهي في مرابع الطفولة والصبا وبين الأهل حيث الأغتراب السياسي والأجتماعي والفكري ، ولا يصيب الأغتراب الأفراد فقط بل يصيب الأحزاب السياسية عندما تفقد الصلة الفكرية والسياسية بالواقع العراقي وبحاجته وطاقاته النضالية ... فمثلا" عندما كانت بعض الأحزاب تطالب بأستمرار الحصار الأقتصادي على الشعب العراقي وهي تدرك المآسي التي تحل بالشعب  من جراء هذا الحصارالظالم على البلاد  .

فالغربة الفكرية والسياسية لا ترتبط بمكان وجود الأنسان ولا بالمدة التي مضت على غربته عن وطنه الأول ولا بالعوامل التي تسببت في غربته بل إنها ترتبط بالدرجة الأولى بأحساساته الداخلية وبمستوى وعيه وثقافته وأدراكه بمفهومه عن الوطن والقومية والثقافة والدين .
هناك الكثيرون من الكتاب والشعراء والفنانون العراقيون أبدعوا وهم في الوطن وما زالوا يبدعون وهم في الغربة ، والبعض فقد قدراته بعد مغادرته الوطن وعجز عن مواصلة ذلك في الخارج لأنه يحس أنه زرع في مجتمع غير مجتمعه ويجبر على تقبل تقاليد وأعراف غير التي ألفها ونشأ عليها .

البعض أنتهى فنيا" وهو في داخل الوطن عندما تمنع عليهم حرية التعبير عن آرائهم وأفكارهم
حين يجبر الشاعر على أن ينشد ويمتدح نظاما" لا يؤمن به في دخله ولكن الخوف على حياته يجبره على لبس الرداء الآخر وتصبح الغربة مرضا" يعاني منه الأنسان ويشعر بالكآبة حتى وفاته .
فالنشاط الأبداعي مرتبط بموقف الأنسان الفكري والسياسي وبوعيه بالدرجة الأولى والأساسية  أن الغالبية من العراقين في الخارج يتمتعون بمستوى فكري وسياسي متقدم بغض النظر عن أنتماءاتها الفكرية والسياسية وأنهم يملكون حسا" وطنيا" عاليا" في مقدوره أن يساعد الأحزاب العراقية على تبين مواقع الخطأ والصواب في سياستها ومواقع القرب أو البعد عن حاجات الجماهير الشعبية في العراق وعن حاجات الناس في الخارج .
ورغم أبتعاد الكثيرين من العراقيين عن العمل في أطار الأحزاب السياسية العراقية فهم يهتمون بالسياسة ويلاحقون أخبار العراق ويتابعون تطور أحادثه ويحملون نظرة نقدية واعية أزاء سياسات القوى السياسية العراقية المختلفة.
ان أبتعادهم عن العمل السياسي لا يرتبط بعجزهم عن النضال أو بأرهاق ألم بهم بسبب النضال بل بسبب الواقع الموضوعي الذي يميزعمل مختلف الأحزاب السياسية والقناعة بضرورة التجديد والتحديث والتغير الحقيقي للخطاب السياسي والتعامل الديمقراطي الذي يسهم لا في تأمين القبول بها من جانب الشعب العراقي فحسب ، بل وفي أحتضانها والألتفاف حولها ومساندة نضالها لعملية التغيير في العراق ، وهذه العملية تحتاج الى وعي عميق وأدراك واسع من جانب الأحزاب السياسية العراقية وبالمتغيرات على الساحتين الداخلية والعربية وعلى النطاقين الأقليمي والدولي.
وبالتالي تعامل واقعي وعملي مع نفسها ومع القوى الأخرى ومع الجماهير الواسعة التي يزداد أستعدادها للبذل والعطاء عندما تلتقي بمعارضة قادرة على أقناع الشعب بمصداقيتها .
كما تواجه الأحزاب العراقية تسربا" واسعا" من صفوفها ، ومثل هذا الأنسحاب عن الحياة السياسية الحزبية يثبت أحتجاجا" واضحا" على نهج وسياسات تلك الأحزاب وخطابها السياسي وحياتها الداخلية ، وهذا لا يعني أن جميع المتسربين يتفقون عند سبب واحد في تركهم لتلك الأحزاب بل أن هناك أسبابا" عديدة لذلك ، ولكن عدم أنسجامهم مع النهج والسياسات المتبعة وبخاصة العلاقات غير الديمقراطية في داخل تلك الأحزاب يعتبر العامل الأكثر شيوعا" في مرحلتنا الراهنة ، وهو تعبير عن أحتكاكهم بالحياة الجديدة وتذوقهم طعم الحرية النسبية الذي لم يعرفوه في العراق وفي الحياة الحزبية العراقية ، وهذه ظاهرة صحية تحتاج الى دراسة مستفيضة من قبل تلك الأحزاب .
وتواجه الأحزاب السياسية العراقية تخلي أعداد كبيرة من المناضلين الذي شاركوا ولعقود في النضال السياسي العراقي وعلى الأحزاب تلك أن تفهم هذه الحالة على أن هؤلاء يمارسون الأحتجاج والتمرد على طبيعة وسياسة تلك الأحزاب والمنظمات السياسية وعلى أنها تعبير عن رفض الأساليب القديمة في التعامل مع المثقفين ودورهم في الحياة الفكرية والسياسية .

أن التطورات الكبيرة في عالمنا الجديد والتغيرات الهائلة في منجزات الثورة العالمية تفرض دورا" نوعيا" وعمليا" جديدا" للفئات المثقفة في حياة البلاد الفكرية والسياسية والأجتماعية ، ونأمل أن يبادر المثقفون العراقيون الى عقد لقاءاتهم وتنظيم ندوات فكرية وسياسية لبلورة الوجهة العامة لدور المثقفين العراقيين في مجالات الفكر والسياسة والحياة الأجتماعية وفي مجال الديمقراطية وحقوق الأنسان وفي المهجر العراقي لمنح هذه المجالات وعيا" أعمق أعمق وحيوية أكبر وحسا" أرهف لمشاعر وأحاسيس وحاجات الشعب في العراق .
وعلى القوى السياسية أن تدرس ذاتيا" مسألة التفكير بالتغيير والبدء به .... بتغيير حقيقي لخطابها السياسي ولعلاقاتها المتبادلة ولبرامجها السياسية ولعلاقاتها بالشعب ولأساليب وأدوات العمل والنضال حيث أنه الطريق الوحيد لتحقيق ما لم يتحقق حتى الأن .


كنـــدا
20 /3 / 2005

Last modified on الأربعاء, 01 نيسان/أبريل 2015

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي