wrapper

وفاء لرفيق النضال

فائز عبد الرزاق الحيدر

ألتقيته صدفة..... رجل ناهز السبعين من العمر ... يوناني الأصل ... على أطلاع بتأريخ العـراق وحضارته أكثر مما يعـرفه الكثير من العراقيين عن وطنهم .... سـاهم في حربnew 2 640x433
الأنصار اليونانية ضد الأحتلال الألماني لليونان ، قتل معظم أفراد عائلته في الحرب .....
نلتقي عادة لشرب القهوة وتبادل الأحاديث وخاصة عن وضع العراق وما وصل أليه الأن من مآسي ويذرف الدموع على بلد الحضارات وكيف أصبح الأن .... بلد محتل تسوده الفوضى والصراعات السياسية ، عندما علم بأنتمائي لفصائل النصار المقاتلة ضد نظام صدام حسين أطمئن لي وأحس إن هناك شيئا" مشتركا" بيننا ساعد على توطيد علاقات الصداقة بيننا .

قال لي مرة .... لدي أمنية أود تحقيقها قبل أن أغادر هذه الدنيا لكي أكون مرتاح الضمير ولم يفصح لي عن ماهية أمنيته رغم ألحاحي عليه .... وغاب عني أسابيع لم أشاهده فيها والحقيقة راودتني كثير من الهواجس فليس من عادته أن يغيب كل هذه الأسابيع ، حاولت تعقب أخباره من الأصدقاء دون جدوى .
ثم ألتقيته من جديد .... فرحت كثيرا" وقلت له أين كنت يا رجل كل هذه الأسابيع ؟؟ لقد قلقت عليك كثيرا" .
أبتسم لي قائلا" ...... كنت في مهمة حققت فيها أمنيتي التي لازمتني طيلة أكثر من خمسين سنة وأخذ يسرد لي قصته....
في معركة دارت بين المقاومة اليونانية والقوات الألمانية المحتلة لأرض اليونان أستشهد صديقه ورفيقه وأبن قريته ( زوربا ) دون أن تعلم عائلته بالأمر مما أضطر الى أن يدفنه ورفاقه في مكان معين ذو علامات بارزة غير قابلة للنسيان على حافة جبل . توالت المعارك والسنين حتى أندحار ألمانيا النازية ونهاية الحرب العالمية الثانية ، حيث دفعته الظروف الى الهجرة وحيدا" الى كندا في بداية الخمسينات . وطيلة السنين التي مرت وهو في كندا لم ينسى صديقه زوربا الذي يتوقع أهله عودته في كل ساعة .

كانت أمنيته أن يبلغ أهل زوربا بأستشاد أبنهم ونقل رفاته الى القرية ، سافر الى اليونان خصيصا" لهذا الغرض النبيل .... في بادئ الأمر ذهب الى قبر رفيقه وتأكد منه ووضع أكليل من الزهور عليه وذهب الى قريته التي عاش طفولته وصباه فيها ووجد كل شئ قد تغير ، القرية قد توسعت وفتحت بها شوارع عريضة وبنايات جديدة وأزيلت الأحياء القديمة وظهرت أحياء جميلة حديثة الطراز ، وأدخل أليها الكهرباء , جيل كامل أنقرض وظهر جيل جديد آخر من الشباب لا يعرف شيئا" عن ماضي القرية وأبطالها المناضلين الذين أستشهدوا دفاعا" عن حرية الوطن . وبقيت حيرته موزعة لا يعرف ماذا يفعل وكيف يصل الى عائلة صديقه ، وبعد تحقيق طويل بين دار البلدية والشرطة وسكان القرية تم الأهتداء الى شيخ القرية والأكبر سنا" فيها من الرجال الأحياء الذي أخبره بأنه لم يبقى من عائلة صديقه غير أخته الصغرى وهي أمرأة عجوز تسكن عند أطراف القرية ، ذهب أليها وطرق الباب وأطلت أمرأة عجوز تجاوزت الستين من عمرها وبعد التحية سألها :
وهو يقدم لها باقة من الورد..... هل انت أخت زوربا ؟؟
نعم .... ومن أنت ... ؟ هل تعرف عنه أي شئ ؟ متى يعود ؟ هل تزوج أم لا ؟؟
أنا خيروس جيرانكم وصديق الطفولة والشباب مع زوربا .
وبعد عدة دقائق تذكرته وحضنته بالدموع ودعته للدخول ، وعندها شرح لها قصته وأستشهاد رفيقه زوربا البطل وفي أي مكان دفن وأنه جاء من كندا لهذا الغرض ليحقق أمنيته ولينقل رفاته الى مقبرة القرية على حسابه الخاص ولكي يعرف أهل القرية شبابها الأبطال الذين ضحوا بحياتهم في سبيل حرية وأستقلال الوطن .
تم التعاون بين خيروس وبلدية القرية لعمل ضريح للشهداء توسطه رفاة زوربا وأصبح مزارا" لكل الوافدين للقرية وبذلك حقق خيروس ما لم يحققه الأخرون تجاه رفيق النضال .
عاد خيروس الى كندا بعد أن أتم ما كان يحلم وهو مرتاح الضمير ....
ذكرتني هذه القصة بكثير من الأحداث التي نواجهها الأن نحن المندائيين ... وهل لا زال منا من يحمل نكران الذات والمحبة والوفاء والأخلاص لأبناء طائفتهم ووطنهم مثل خيروس .... وكم أعطينا من الشهداء في معاركنا .... وهل قدمنا لهم الوفاء كما قدم خيروس .
أليس هذا ما نحتاجه اليوم وأكثر من أي وقت مضى .


كنـــدا
10 / 3 / 2005

Last modified on الأربعاء, 01 نيسان/أبريل 2015

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي