wrapper

kasemabdelameer

تمر هذه الأيام ذكرى رحيل الكاتب والناقد والأديب الزميل قاسم عبد الامير عجام مدير عام دار الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة . فقد طالت يد الأجرام هذه الشخصية الأدبية والوطنية ورئيس اتحاد وادباء وكتاب بابل ومدير ناحية مشروع المسيب ، كما وأستشهد معه في الحادث الزميل والصديق باسل نادر كريدي مدير زراعة مشروع المسيب ، حيث هاجم القتلة الظلاميون يوم الأثنين 17 / آيار / 2004 السيارة التي كانا يستقلانها وهم في طريقهم الي بغداد واطلقوا عليهما وابلاً من النيران أدت الي مقتلهما علي الفور

ان عملية الاغتيال هذه قد اثبتت حقيقة الدوافع الإجرامية لبقايا البعث والجريمة والقوى الظلامية المتحالفة معها التي ترمي الى وقف عجلة أعادة بناء العراق وما تمّ تخريبه طيلة فترة تأريخية أمتدت لأكثر من خمس وثلاثين عاما" في المجال الثقافي من قبل النظام الدكتاتوري السابق ، وأدت الى قمع أصوات المثقفين والأدباء الوطنيين ، ولمنعهم من أداء واجبهم الوطني في نهوض الثقافة العراقية من جديد على اسس وطنية تقدمية .

 


ان منفذي هذا الحادث الأجرامي مهما كانت تسمياتهم لم يستهدفوا بالتأكيد الشهيد الراحل فحسب ، انما استهدفوا اغتيال الثقافة العراقية الوطنية بكل أبداعاتها ورموزها المناضلة التي قاومت بكل ما تستطيع النظام الدكتـاتوري والثقافـة الفاشية لحزب البعث والتي اجتاحت العراق طيلة خمس وثلاثون عاما" وشملت كافة جوانب الحياة . ان التأريخ الثقافي والأدبي للشهيد والذي أمتد لفترة طويلة تجاوزت الثلاثين عاما" في مجال النقد الأدبي والكتابة ظل ناصعا" ويعتز ويفتخر به كافة المثقفون العراقيون .

ولد قاسم عبد الامير عجام في مدينة الحلة / قضاء المسيب / عام 1945 من عائلة فقيرة متواضعة مناضلة ، وأكمل دراسته في كلية الزراعة / جامعة بغداد / قسم التربة وعمل منذ تخرجه في مشروع المسيب الكبير الذي يعتبر من المشاريع الزراعية الكبرى في العراق ، حصل بعد سنوات من العمل الشاق على درجة الماجستير في مايكروبولوجي التربة عام 1977 من كلية الزراعة / جامعة بغداد وتخصص في زراعة ونشر الفطر Mushrooms وبكتريا البقوليات في المشاريع الزراعية وهي تجربة زراعية جديدة رلئدة في ذلك الوقت وقدم لزملائه كل تجربته العلمية في هذا المجال ، بيد أن هذا التخصص العلمي لم يمنعه من المساهمة في النشاط الثقافي العراقي والأدبي من اواسط الستينات حيث عرف ببراعته في النقد التلفزيوني والسينمائي وما تحتويه من برامج ومسلسلات وأفلام عربية أضافة الى النقد القصصي . لقد كتب الفقيد العديد من الدراسات منها ...

ـ في التطور الزراعي ، تعايش بكتريا الريزوبيا والبقوليات ، أسسه وتطبيقاته ، العراق / 1986

ـ ( الخوف والتخلف والموت في خمارة القط الأسود ) ، نشرت في مجلة الأقلام ، بغداد 1973

ـ ( جناحا النهوض ) ... وهي عبارة عن تأمّلات في موضوعة الثقافتين الأدبية والعلمية ) نشرت في مجلة آفـاق عـربية ، العدد 12 / 1982 .

ـ ( مواصـلة الحديث في العمارة ) ، مجلة آفاق عربية ، العدد 8 / 1985 .

ـ ( ثقافة أم ثقافتان ) : دعوة للتفكير العلمي وضمّ رافدي الثقافة ، بابل 16/1988.

ـ كتاب ( النور المذبوح ) : عين ثقافة العراق ، اصدار اتحاد الأدباء والكتاب / فرع بابل .

ـ كتاب ( الضوء الكاذب في السينما الامريكية ) في عام 2001 .

ـ دراسة ( رموزنا الثقافية بين الاستثمار والاهدار) ، الحلة 20 / 1/ 2003 م

في بداية السبعينيات.. وقيام الجبهة الوطنية ومع توفر حرية الصحافة بشكل محدود وعلى صفحات صحيفة طريق الشعب بدأنا نقرأ لزميلنا الكاتب والأديب قاسم عبد الأمير عجام ما لم نكن نعرفه عنه ، لم نكن نعرف في البداية ان ما يكتب في هذه الصحيفة هو لزميلنا المهندس الزراعي قاسم الا بعد فترة ، ولم نكن نعرف ان له هذه المقدرة الثقافية على الكتابة في نقد المسلسلات التلفزيونية العربية وهو المهندس الزراعي المتمرس .

كان لقاسم اسلوبه الخاص والمتميز في النقد ، كنا نشاهد ونتابع المسلسلات والأفلام العربية التي تعرض على الشاشة الصغيرة ومن خلال القناة الوحيدة المتوفرة حينذاك حيث لا يوجد لنا بديل آخر ، وأتذكر منها مسلسل أبن الحتة والقط الأسود وفلم الأرض وغيرها الكثير وفي الأسبوع التالي نقرأ لقاسم النقد الجريئ لهذا الفلم او ذاك المسلسل ونطلع على مواقع الأخفاق والنجاح في ذلك وان نميز ما شاهدناه بأعيننا على شاشة التلفاز وما شاهدته عيون قاسم المتمرس بالنقد ونكتشف عندئذ الطريقة التي يتبعها المنتجون والمخرجون من اصحاب الأموال لهذه المسلسلات في تشويه افكار المشاهدين صغارا" وكبارا" على حد سواء دون ان ينتبه أحد لذلك . كان قاسم ينظر لهذه الأنتاجات السينمائية بفكر علمي يعطيه قدرة على التحليل لهذا الفلم او المسلسل وكان يطرحها بشكل سلس عبر مقالاته الاسبوعية يحلل وشرح ما كنا نشاهده من اعمال ويزيل الألتباس عن عيوننا وعيون المشاهدين لكي يكونوا على بينة ويقظة وانتباه لما تبثه شاشة التلفاز المبرمجة المعبرة عن اعلام السلطة وسياستها حيث ادرك الفقيد عجام منذ البداية خطورة هذه المسلسلات وتأثيرها على عقول المشاهدين البسطاء والطبقات الشعبية . لقد أسس الفقيد قاسم تقاليد فن النقـد التلفزيوني ومازالت بصماتها واضحة حتى هذه اللحظة التي تشح فيها ويندر وجود نقاد بمستوى الفقيد قاسم وهذا العدد الهائل من المحطات الفضائية .

في اواسط السبعينات عممت وزارة الزراعة والأصلاح الزراعي كتابا" لكافة المشاريع والمؤوسسات الزراعية لأرسال مرشحيها الى مشروع المسيب الكبير للتدريب في دورة قصيرة على استعمال انواع مستوردة من البكتريا تساعد على زيادة انتاج المحاصيل البقولية وزراعة الفطر ( المشروم ) وتحت رعاية المهندس الزراعي الشهيد قاسم ، رشحت من قبل دائرتي للألتحاق بالدورة المذكورة .

بعد ايام وجدت نفسي في مكتب بسيط وانا اتحدث مع شخص ممتلئ القامة ذا بشرة بيضاء احرقتها الشمس ، مثقفا" ، تعلوا الأبتسامة على شفتيه في كل وقت ، لم اكن قد ألتقيت بقاسم عبدالأمير عجام شخصيا" حينها إلا عبر مقالاته النقدية في صحيفة طريق الشعب وقدم نفسه لي...... قاسم ، وتبادلنا التحايا ، تعارفنا بسرعة وخلال ساعات قصيرة ربطتنا علاقات صداقة متينة تجاوزت علاقات العمل ، بعد اسابيع زارني في دائرتي لمتابعة ما تم انجازه من الدورة التدريبية وسط مراقبة عيون عملاء السلطة المنتشرة في كل زاوية من مرافق العمل ويظهر ان المعلومات وصلت الى دائرتنا قبل وصوله بأيام وانا المتهم بنفس التهمة واحمل نفس افكاره مما زاد من خذرنا وزاد من علاقات الزمالة والصداقة التي تربطنا .

استمرت لقائاتنا بين فترة واخرى في نادي المهندسين الزراعيين نتبادل الحديث عن الشعر والأدب والنقد التلفزيوني بعيدا" عن الأختصاص ، وكان دائما" ما يرافقه في تنقلاته رفيقه وزميل الدراسة الصديق الشهيد باسل نادر كريدي مدير زراعة مشروع المسيب ، ذلك الصديق الوفي الذي اشتركت معه في عدة معارض فنية للرسم والنحت طيلة سنوات الدراسة في كلية الزراعة في جامعة بغداد في نهاية الستينات وبداية السبعينات والتي عادة ما تتم في مهرجان الكلية ربيع كل عام .

كان الشهيد قاسم عبد الأمير كما عرفته اضافة الى عمله الزراعي المتميز اسما" لامعا" في سماء الثقافة العراقية ، شخصية محبوبة على الصعيد الاجتماعي والثقافي والسياسي وربطتني به علاقة صداقة على مدى سنين طويلة كان خلالها رجلا" طيبا" ومحباً ومرحا" عطوفا" يرفع في كل حديث من شأن الثقافة العراقية ومسارها الثقافي الوطني .

في صيف عام 1977 حالفني الحظ بالسفر مع الشهيد ابو ربيع في سفرة سياحية الى موسكو ، كانت السفرة رغم قصرها ولم تتجاوز الثلاث اسابيع لكن كانت سفرة رائعة ، زرنا خلالها عدة مدن سوفيتية وكان الشهيد قاسم مشغول بتسجيل ملاحظاته عن كل ما يشاهده من معالم سياحية ومتاحف رسم ونصب تذكارية ويقارن ما يشاهده وما يتوفر في الوطن ويستعد للكتابة عنها ، كنا نتهرب أحيانا" من برنامج السفرة الممل لنبحث سوية عن المتاحف وصالات الأوبرى ومراكز الثقافة لنروي عطشنا الثقافي ، وخلال زيارتنا الى مدينة سوجي الواقعة على شاطئ البحر الأسود كنا نقضي ساعات الفراغ والراحة وقت الظهيرة على ساحل البحر المجاور لفندقنا لأخذ الحمام الشمسي ، كان أبا ربيع كما اتذكره ذا جسم ابيض مملوء بعض الشئ وكأنه لم يرى الشمس وكنت النقيض له اسمر الجسم نحيفا" ، كان يلاطفني بقوله ( سبحان الله .. وهما كلمتين عادة ما يرددهما في حديثه....( رغم اختلاف اجسامنا في كل شئ لكن افكارنا متطابقة في كل شئ ) واخذنا نؤلف ضاحكين نظرية جديدة سميناها نظرية التناقض والتطابق .

ثلاثة اسابع من التجوال انتهت بسرعة وكانها ثلاثة ايام وعدنا الى الوطن واتفقنا على زيادة لقاءاتنا وكانت الحملة ضد القوى الوطنية واليسارية أخذت بالأزدياد فلم تسمح لنا ظروف العمل والوضع السياسي باللقاء مثل السابق وأصبحت لقائاتنا في نادي نقابة المهنسين الزراعين محدودة ومتباعدة بسبب تحوله الى وكر لعملاء السلطة ، ونتيجة للحملة الشرسة والتصفيات ضد كل القوى اليسارية في عام 1979 قررت مغادرة الوطن بعد اختفاء دام عدة اشهر واختفى أبا ربيع أيضا" ولم أستطع الأتصال به وفقدت اخباره .

قبل يومين وانا أتهيأ لمغادرة الوطن في آيار عام 1979 التقيت به صدفة في نفق ساحة التحرير في بغداد وكان لقاءنا حارا" وكل منا يريد معرفة اخبار الآخر وبادرته قائلا" :

ـ الحمد لله ان أراك سالما" أيها الرفيق ابا ربيع ، أين أنت جعلتني قلق عليك كثيرا" طيلة الأشهر الصعبة الماضية .

ـ انا سعيد برؤيتك ايضا" يا رفيقي العزيز أنها الظروف يا عزيزي ... انهم يقتلون الأنسان بكل بساطة لا لشئ سوى انه يحمل فكرا" وعقلا" مغايرا" لفكرهم .. أية انسانية وأي فكر وأي ثقافة يحملون ؟ انهم يحملون ثقافة فاشية بكل معنى الكلمة .

ـ لقد قررت مغادرة الوطن يا ابا ربيع وأنت بماذا تفكر ان الوضع يزداد سوءا" .

ـ كيف اغادر الوطن يا رفيقي العزيز وانا من ألتصق بهذه الأرض وحب الوطن ويصعب عليه الأبتعاد عنه ، كيف اغادر وانا مسؤول عن اعالة عائلتي الكبيرة وجلهم من النساء وليس هناك من معيل اخر يحل محلي ، على كل حال ستسمع اخباري وسأكون على العهد كما عرفتني اتمنى لك التوفيق ولا تنسى ان نتواصل وتعلمني بأخبارك .

ـ اتمنى ان اراك يوما" يا رفيقي وصديقي العزيز وأنت بألف خير وسوف لن أنساك وستبقى معي دوما" وعليك الأهتمام بنفسك .

طيلة سنوات الغربة وتنقلي في بلدان عدة لم اسمع عن قاسم أي خبر ، لم أقرأ له لكنه كان دوما" في الذاكـرة

وعلمت في تلك الفترة أي نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات وفي ذورة بطش الدكتاتورية الصدامية ضد قوى اليسار العراقي توقف الشهيد قاسم وابتعد قليلا" عن الثقافة لآنه يدرك ان مواصلته للكتابة ستوصله الى حتفه لذلك تفرغ لعمله ووظيفته كمهندس زراعي في مشروع المسيب دون ان ينتبه له أحد وتصور البعض انه قد غادر الوطن أسوة بالآخرين من المثقفين الذين فروا من حملات الاضطهاد والتنكيل التي كان يقوم بها النظام وكانت المفاجأة أكبر عندما علم الجميع ايضا" بأن الشهيد قد قضى كل تلك الفترة بصمت بعيدا" عن الثقافة البعثية الهزيلة والمهرجانات الفارغة ليمارس مهنته الزراعية .

وبعد سقوط الصنم عاد الشهيد من جديد ليواصل عمله الثقافي الذي احبه .. مبتعدا عن دوائر الزراعة التي يعمل بها.. ليكتب تصوره لمستقبل الثقافة العراقية للمرحلة القادمة وسبل النهوض بها وأبراز وجهها الحقيقي على أنقاض الثقافة الدكتاتورية . كنت اخطط لزيارة بغداد وألتقي من صديقي قاسم ولكن تدهور الأوضاع من جديد تريثت قليلا" عسى ان يتحسن الوضع السياسي ويسمح بالسفر ومع الأسف لم يتحقق ذلك الحلم حتى وصلنا خبر استشهاده مع زميلنا باسل كريدي على أيدي القتلة من القوى الظلامية . لقد كان استشهاده صدمة كبيرة لنا جميعا" .

لقد اصبح الشهيد قاسم عبد الأميرعجام شعلة في ذاكرة الثقافة العراقية ، وستظل سيرته الشخصية ومواقفه الثابتة أمثلة رائعة ينظر إليها الجميع بأحترام واسع وتقدير. ولا يسعنا الا ان نقول لصديقنا ورفيقنا الشهيد أبا ربيع سيبقى اسمك خالدأ في سماء الثقافة العراقية وفي ذاكرتنا جميعا" .

لك الخلود ابا ربيع فأنت في القلب دوما"

Last modified on الثلاثاء, 03 آذار/مارس 2015

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي