wrapper

الصابئة المندائيون والتراث المفقود

(1)ا


فائزالحيدر

تم قبل أسابيع تشكيل لجنة مكونة من العديد من الأخوة المثقفين والكتاب والباحثين وبعض رجال الدين لغرض أحياء الذاكرة المندائية ، تأخذ على عاتقها البحث عن الكثير من التراث المندائي المفقود منذ عقود طويلة ، بلا شك إن أحياء التراث مسألة مهمة جدا" بالنسبة للطائفة وخاصة في هذا الوقت الذي تمر بها والذي يتطلب من كافى الأخوة أعضاء اللجنة خاصة وبقية المندائيين بذل الجهود الإستثنائية لتحقيق الهدف المنشود الذي شكلت من أجله اللجنة المذكورة ، علما" أن إنجاز هذه المهمة الصعبة تحتاج إلى توفر الأمكانيات المادية والفنية والتنسيق مع المثقفين والباحثين المندائيين والمنظمات الدولية .


إن قصتنا نحن المندائيين مع هويتنا المندائية والبحث عن تراثنا المفقود يمكن أن نشبهها بقصة العائلة التي ورثت قصرا" فخما" من أسلافها ، ولكن بسبب الأضطهاد الذين عانوا منه من قبل الأقوام المحيطة بهم وفرض عقائد دينية جديدة ، جعلت أبناء تلك العائلة يهربون من قصرهم ويتجاهلون قيمته ويهجرون قاعاته الفخمة ويهملون كنوزه الفنية ويحيلون حدائقه المزهرة الى أدغال جافة ، وينزوون في بيوت بائسة قديمة وينطوون على أنفسهم بعيدا" ، وينظرون إلى قصرهم وتدمير تراثهم من بعيد خوفا" من المحيطين بهم ، هذه حقيقة المندائيين المؤلمة اليوم ومنذ قرون مضت وحتى الآن ، لذلك تراهم يجهلون تأريخهم وتراثهم وهويتهم وهل هم شعب أم قومية أو طائفة رغم إنهم يعيشون كل لحظة من حياتهم في ظلها .

وفي هذا الضياع والضبابية ، يطرح بعض الأخـوة المندائييـن بين الحين والآخر وجهـات نظـر في مواضيع عديـدة مختلفة يستدعي واقع الحال الوقوف عندها ومناقشتهـا بموضوعية وجديـة ووفـق الظروف التي عاشهـا المندائيون سابقـا" ويعيشونها حاليـا" . فـلا زال الخلاف واضحا" حول تسمية الطائفة مثلا" ، فمنهم من يفضل تسمية الطائفة بـ ( الصابئة ) ومنهم من يفضل أسم (المندائيون )، ومنهم من يود أن يطلق على المندائيين أسم ( الأمة المندائية ) أو ( الشعب المندائي ) بديـلا" عـن الأسم الرسمي المتداول وهو طائفة (الصابئة المندائيون) ، وأخذ بعضهم يتناول تلك المصطلحات السابقة في رسائلهم وكتاباتهم لأعتقادهم إن المندائيين كانوا في العهود السابقة ( شعبا" ) له تراثـه كبقية الشـعوب ، وعليـه يجب أن يطلقوا على أنفسهم ( الشعب المندائي ) بدلا" من تسميتهم بطائفة الصابئة المندائيون .

ووفقـا" لحرية الرأي وإحتـرام الرأي الآخر هناك من يختلف معهم في هذا الطـرح أو ذاك فلكـل شخص حق التعبير عن رأيه وما يطرحه من أفكـاره وبما يراه صحيحا" وفق تصوره وفهمه للمندائيـة من كافة جوانبها طالما يضع مصلحة الطائفة فوق كل إعتبار ، ولكن في نفس الوقـت يجب إحترام وجهـات نظـر الآخرين الملمين بالقضية المندائيـة وتأريخهـا أيضا" والتي قد تكون مخالفة لهم في الطـرح  مستندين الى ما أكـده جميع المؤرخيـن والباحثيـن الذين كان لهم السبق في الكتابة عن تأريـخ المندائيين ومن أبرزهم البروفسور نولدكة ، البروسفور ليدباسكي ، كورت رودولف ، ماتسوخ ، الليدي دراور ، ديفيد ديرنجر ، والبروفسورة يون بكلي وغيرهـم العشرات والذين أكدوا إن المندائيين هم ( طائفـة دينيـة ) وأصبـح أسمهم المتعارف به هـو( طائفة الصابئة ) ومن ثم تغيـر الأسم وفق المستجدات في السنوات الأخيرة الى (الصابئة المندائيين Sabian Mandaeans ) والذي أقره المؤتمر الخامس لأتحاد الجمعيات المندائية  كما وأعتمد رسميـا" من قبل رئاسة الطائفـة في العراق وفي كتابـات الموؤسسات المندائية في داخـل الوطن وخارجه .رغم إن هذا الموضوع يحتاج الى المزيد من النقاش وتبادل الأفكار من قبل جميع المثقفين المندائيين ورجال الدين وغيرهم بغية التوصل الى قناعة مشتركة تحدد معالم المندائية في الوقت الراهن .

وقبل أن ندخل في التفاصيل قد يسأل البعض هل يمكن أن يطلق على المندائيين تسمية  الشعب المندائي

وقبل الأجابة على هـذا التسائل علينا معرفـة ما هـو الشعب ؟؟؟ تعرف الموسوعة الحرة ( ويكيبيديا(   الشعب... ( بأنه مجموعة من الأفراد أو الأقوام يعيشون في بقعة جغرافية واحدة ( أرض واحدة ) ولهم لغة واحدة وتأريخ واحد وعادات مشتركة وثقافة واحدة ودين واحد ويعيشون ضمن مجتمع واحد ، ويتميزون بشكل من أشكال العلاقـات الإجتماعية التي تجمعهـم في ذلك المجتمع ) . فهل ينطبق هذا التعريف على المندائيين ؟؟ بالتأكيد لكل شخص وجهة نظر خاصة به تعتمـد على مدى ثقافتـه وسعة أطـلاعه على تأريخ الشعوب بشـكل عـام وتأريـخ المندائيين بشكل خاص ...!! خاصة فيمـا يتعلق باللغة والبقعة الجغرافية التي يعيش بها والثقافة لذلك الشعب .

ففي مجال اللغة مثلا" يؤكد واقع الحال إن اللغة المندائية أصبحت في طريقها الى الأنقراض ولا يتحدث بها غير عدد محدود جدا" من المندائيين وغالبيتهم من رجال الدين وهنا قد فقدنا عنصرا" أساسيا" من عناصر تعريف الشعب وهو اللغة .

يعتقد بعض الأخـوة إن قيام بعض الجمعيـات بتدريس اللغة المندائية ونشرها على صفحـات الأنتـرنيت وأقراص الليزر خطوة أولى لأحياء اللغـة المندائية ، ورغم هـذه الجهـد الكبيرة التي  يشكرون عليهـا لكنهـا تبقى ذات نطاق ضيق وفائدة محدودة وغير كافية لأحيـاء هذه اللغـة من جديـد ، وسوف تأخـذ طريقها للنسيان بمرور الأيـام طالمـا يبقى إستعمـالها محدودا" ومحصـورا" ضمن نطاق المدرسـة المندائيـة ولا يتم التداول بها في مجال الحيـاة اليومية في ظل تواجد لغات عدة بديلة يتم التحدث بها ، وكيف يتم أقناع الجيل الجديد من الشبـاب على التحدث باللغة المندائية وهم في زحمة لغات عالمية عديدة سهلة لهم يتحدثون بها في دول المهجر في البيت والمدرسة والشارع وأصبحت لغتهم الجديدة .

وقد يتسائل البعض هل ما يملكه المندائيين من لغة يتحدث بها عدد قليل من المندائيين يعتبر كافيا" ليطلق على المندائيون تسمية ( الشعب المندائي ) أسوة بالشعب الكردي أو الشعب اليهودي أو الشعب الأشوري وغيرهم حيث لغاتهم المعروفة التي إستطاعوا الحفاظ عليها طيلة قرون عديدة ولا زالوا ويتحدثون بها يوميا" في كل مكان أضافة الى تأريخهم وتراثهم المعروف ..؟

يبين الترميذا ( علاء النشمي ) مقالة قيمة تحت عنوان ( إحياء اللغة المندائية بين النظرية والتطبيق العملي ) نشرت على موقع إتحاد الجمعيات المندائية نذكر بعض فقراتها بإختصار  :

لا يوجد أي أحد يتحدث اللغة الكلاسيكية المندائية وينظم بها الشعر والنثـر ويستعملها في الحياة اليوميـة ماعدى ( الرطنة ) وهي ( اللهجة العامية المندائية ) والتي يتحدث بهـا عـدد قليل جـدا" ، كما إن بنـك المفردات المندائية ضئيل وهذا يعيـق مهمـة المعلمين الذيـن يبغون تعليم مادة اللغة المندائية  .إضافـة
لعـدم توفـر مواد التدريس ، والمدرسين المؤهلين أكاديميا" لتـدريس مادة اللغة، كما إن التراث المندائي المكتوب مبعثر ولا توجد جهة مركزية واحدة ولا معلومة تحوي هذا التراث المكتوب ، وأخيرا"  فإن عملية بقاء أي لغة متوقف ايضا" على مدى تعلق متحدثيها وأيمانهم بها .. فاين نحن من ذلك!!

وفي المجال ذاته يبين الأستاذ سليم برنجي في كتابه ( الصابئة المندائيون ) ما يلي :
( إن لهذه الأقلية الدينية ( ويقصد هنا طائفة الصابئة المندائيون ) عادات ولغة وأبجدية قديمة وإن وجود هذه اللغة وهذه الأبجدية القديمة هي التي حالت دون أن يطلع الباحثون والكتاب إطلاعا" وافيا" على هذه ( الطائفة الدينية ) ، لأننا نرى اليـوم إن الذين يعرفون لغـة وأبجدية هذه الأقلية قليلون جدا" ، مما جعل الباحثين وكثير من المحققين والكتاب يكتبون حولهم أشياء مغلوطة وينسجون أوهاما" لا صحة لها ) (1) .
وهنا يؤكد لنا الأستاذ سليم برنجي على ان المندائيين هم ( طائفة دينية ) وليس شعبا" .

وهنا لا بد ان نطرح فكرة المفكر المندائي والباحث الأستاذ ( عزيز سباهي ) حيث يؤكد في كتابه ( أصول الصابئة المندائيون ومعتقداتـهم الدينية ) : ( أن الصابئة آثروا الأبتعـاد كلية عن مجرى الأحداث دفعـا" للمخاطر التي تهددهم لكونهم مستهدفين وتحت ضغط كبير لحملهـم على أعتناق الأسلام وكانت ردة فعلهم مزيدا" من الأنغلاق على أنفسهم وعلى معتقداتهم الدينية .... والكثيـر منهم أعتنق الأسـلام والمسيحية . ) وضمنوا لأنفسهم السلامة.... فيما أنحدر آخرون بأتجاه الجنوب ليلتحقوا بأخوتهم الذين يقطنون بطائح ميسان ، ويحتمون بالعزلة هناك ) (2) .

ومن هذا الطرح للأستاذ عزيز سباهي بخبرته الواسعة وأطلاعه طيلة سنوات طويلة يمكننا أن نستنتج ان المندائيين هم ( طائفة دينية )  ، لذلك كانت مستهدفة من قبل المحيطين بها من الأقوام لتحويلهم إلى الأسلام وليس ( شعبا" أو أمة ) بالمفهوم الحالي  .

ومن جانب آخر وفي حوار أجراه الدكتور ( قيس مغشغش السعدي ) مع المرحوم المربي ( نعيم بدوي ) ، وجه إليه السؤال التالي : (
هل للمندائيين دولة أو كيان واضح ؟ وهل شكلوا لهم كيانا" فاعلا" ؟
فيجيب .... إن الدين المندائي لا يؤمن يالمادة ، ولكن يؤمن بالروحانيات . والسلطة هي من ماديات الدنيا . وحسب الدين المندائي أنت لا تدخر لغد أكثر من حاجتك ، ويجب أن تسلمها الى الكاهن الأكبر ليعطيها لمن يحتاج ، وكلنا نعرف إن هناك ثلاث أركان أساسية لأي دولة وهي : الجماعة البشرية ( الشعب ، الأرض والسلطة السياسية .(  
( وطالما إن السلطة هي من ماديات الدنيا ، فأعتقد لم يفكر المندائيون يوما" أن يكونوا لهم دولة بأعتبار إن وجدود الشعب هو أمر أساس في تكوين أية دولة ، وليس هناك دولة بدون شعب . وتؤكد الفلسفة المندائية على إن الحياة هي الطريق الى الحياة الخالدة في عالم الأنوار وبذلك كانـوا غير مهتمين بالحياة الدنيويـة الفانية فمالوا الى التقشف والزهد والبساطة وإصرفوا لعبادة الخالق ولم يفكروا يوما" بأقامة كيـان سياسي خاص بهم وعاشوا كأقلية دينية في ظل دول وعشائر سائدة في مناطق سكنهم ، وطالما لم يفكروا بأقامـة دولتهم التي تتطلب وجـود الشعب ، والسلطة ، وحدود الدولة والجيش فليس هناك حاجة لكتابة تأريخهـم أيضا" . أما تجمعاتهم في أماكن مختلفة مثل الطيب وحران وسهل ميسان وميديا فكانت أساسا" هي تجمعات دينية يقودها رجال الدين للحفاظ على روحية الدين ) (3) .

بينما يطرح المرحوم الأستـاذ فرج عريبي في مجـال حديثه عن ( الشعب المندائي ) وهو من أنصار هذه التسمية ... بقوله يلزمنا قبل الشروع في هذه المعالجـة أن نثبت بشكل قاطع حقيقة وجود هـذا الشعب الذي ننتمي إليه ومن أجل الأثبات الصحيح لهذا الوجود ونظرا" لعدم توفر الأدلة المادية والتأريخية المؤكدة بشكل قاطع لا يسـعنا إلا اللجـوء للتفكير المنطقي ، ويتوسع في مقالته ليقول ، إن ( الشعب المندائي ) موجـود فعلا" سواء قبل وجود الدين المندائي أو بعد وجوده ، أي اننا أولا وأخيرا" سواء في الماضي أو الحاضر ، لسنا مجـرد ( طائفة دينية ) حتمت الظروف أن يطلق عليها أسم ( طائفة الصابئة المندائيين ) ، بل نحن ( شعب ) ، كنا ولا نزال رغـم قلة نفوسنا ورغم الظروف القاسية التي صـمدنا أمامها على مر العصور ، ورغم تشتتنا المفروض علينا حاليا" ، كنا ولا نزال ذلك الشعب العريق الأصيل الذي يمتلك سواء في الماضي أو الحاضر جميع المقومات المتعارف عليها لكافة شعوب العالم  . (4)

بينما يؤكد البرفسور صبيح السهيري في مراسلاته مع بعض الأخوة  بأنه لا يفضل إستخدام كلمة طائفة بل كلمة شعب لأن المندائيين يملكون لغة ودين وتأريخ رغم غموضه .  

إن ما تم طرحه سابقا" تبقى مجرد أفكار مطروحة يفندها البعض ويؤيدها آخرون لذلك فهي تتطلب المناقشة المستفيضة من جميع الباحثين والدارسين للتوصل الى قاسم مشترك يهم المندائيين عموما".

الهوامش

1 ـ الأستاذ سليم برنجي ، كتاب ( الصابئة المندائيون ) دراسة في تأريخ ومعتقدات القوم المنسيون / ترجمة جابر أحمد / الطبعة الأولى 1997 / دار الكنوز الأدبية بيروت / ص 12

2 ـ عزيز  سباهي ، ( أصول الصابئة المندائيين ومعتقداتهم الدينية ) ، دار المدى للثقافة والنشر ، الطبعة الأولى / 1996

3 ـ حوار اجراه الدكتور ( قيس مغشغش ) عام 1992 مع المرحوم المربي ( نعيم بدوي ) ونشر على صفحات مجلة آفاق مندائية ، العددالحادي عشر ، السنة الرابعة /1999
4 ـ الأستاذ فرج عريبي / العدد الأول من مجلة ( الشعب المندائي ) التي كتبها في كندا أوائل عام 2000 ...مندائية / أواسط عام 2001 ميلادي .



يتبع في الحلقة الثانية

كندا / تموز / 2011 Last modified on الثلاثاء, 03 آذار/مارس 2015

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي