wrapper

الحقوقي /عربي فرحان
 
تاريخ الصابئة المندائين يقرأ ، ان ليس لهم غاية او قصد من التبشير اوالعلنيه لعقيدتهم الدينية ، والسبب جدا بسيط لأنها عقيده مغلقه لا تقبل الدخول بين صفوفها او الانتماء اليها ، وهي ترفض من لم يكن من ابوين مندائين اصلا وبالتالي ، وكنتيجه لهذا الوصف بقت المندائية وبقى المندائيون اكثر العقائد الدينية هدوءأ واستقرارا ، وقد مكنها هذا الوضع من التعايش بسلام نسبي مع الاقوام والطوائف المختلفه التي كانت تحيط بهم ، وبنوا معهم علاقات اجتماعية وروابط اقتصادية وثقافيه مشتركة بحكم العامل الوطني السياسي والاجتماعي والجغرافي وتبادل المصالح وظروف الحياة وتقاليد وعرف المجتمعات . واما الملاحظة الثانيه للمندائيه كأحكام دينيه ، لم تجر عليها اية تغييرات او تبديلات الا ما ندر من اجتهادات لا تقع بصلب الدين ، بل ببعض الممارسات الشكليه التنفيذيه ، ومضت الحاله على هذا المنوال حتى يومنا هذا ومنذ الاف السنين


ومما يلفت النظر والذي يجب ان يعترف به هو ، ان الصابئة المندائيين اختلطوا بعمق وبشكل عضوي مع اهل العراق خاصة في جنوبه ، حيث مكان تواجدهم منذ القدم ، وقد تأثروا اواثروا بهم الى حد بعيد ، وحتى اختلطت الاسماء والمسميات ولم يكن احد قادر من فرز المندائي من غيره من الافراد المحيطين به من غير المندائيين ، وكأن الحاله فرضتها طبيعة الاشياء دون قصد ، فهذا المرؤ علي وفاطمه وعثمان ومحمد وحسين بدلا من سام وزهرون وزيوا وشارت ويهانا ، اضافة الى ذلك التشابه الكامل بالملامح العضويه ، والفسيولوجيه ، والشخصيه وكل التصرفات للانسان السوي ، فهي مشتركه وعضويه الى حد بعيد ، وحتى لغة التفاهم فهي اللغه العربيه لغة تخاطب كل مكونات الشعب العراقي .

طرأت امور جديده على المنطقه في العقود الزمنية القريبه ، وكان العراق من بعضها لأسباب عدة لا ( تقع من صلب موضوعنا هذا ) إلا انها هزت الكيانات والمجتمعات وطالت انظمتها السياسيه وغيرت كثيرا من مفاهيم جماهير شعوبها ، وكان طابعها العام هو المد الطائفي والتعصب الديني ، خاصة ايام النظام الساقط في حملته الايمانيه كما كان يسميها .. وبعد سقوطه اي في سنة 2003 حيث ساد وطغى على اي مفهوم انساني او ديمقراطي ، وقد قامت بالترويج له بشكل مؤثر وفعال دول الجوار ، مما حدى بالانظمه السياسية الحاكمه لبلدان الشرق الاوسط ، ان تقوم باتباع كل السبل والحيل والمخادعات والعنف والقمع وسن القوانين لغرض توظيف هذا النشاط لصالحها ، وذلك ضمانا لبقاء سلطتها بالحكم اكثر وقت ممكن ، وما الحمله الايمانيه الكاذبه التي اعلنها النظام البعثي الفاشي بالعراق إلا شاهدا على ذلك . اضافة الى غايات وافكار تبنتها الحركات الاسلاميه والمؤسسات الدينيه ومدارسها المختلفه ذات التعصب والجمود الذهني ، لأغراض سياسية دنيويه تدعو الى تأسيس الدوله الاسلا
مية الكبرى دستورها القرآن والسنه النبوية ، التي هي دعوة للعوده الى احكام وقوانين يمتد تاريخها الى حوالي الف وخمسمائة سنة خلت !! ومحاولة تعميمها دون الاخذ بنظر الاعتبار التقدم العلمي والثقافي للانسان ، ونظرته الجديده للحياة ، و الظروف الموضوعيه المستجده للبشريه جمعاء والعالم برمته ، والذي اخذ شكلا وكأنه يؤلف كينونه واحده جراء تطور علم التكنولوجيا ووسائل الاعلام وتقارب الابعاد بما يطلق عليه بمفردة العولمه وهذه القوى قد تدرك وقد لا تدرك خطورة توظيفها لأعراض سياسيه حتى شاعت ممارستها عمليا وشرعت لها القوانين وكانت ردة الفعل لدى الاخرين ان تمارس نفس النهج ونفس النشاط من قبل اؤلئك المنتمين الى ديانات اخرى خارج الدين الاسلامي . ولا يعني هذا نفيا لما قامت به الكنيسه في اوربا في العصور الوسطى اتجاه مريديها ومن يخالفها الراي ولا الحركات الاسلاميه على مدى عصور من الزمن وحتى يومنا هذا وهي بين المد والجذر وكان اخرها العنف الطائفي المتزمت الذي عم العالم باسره واتخذ طابعا دمويا بما يسمى الجهاد الاسل
امي بشكليه الجهادي والاصلاحي .

نتيجة هذا التطرف الحاصل والذي اطلق عليه بمفهوم (السلفيه نسبة الى معلومة السلف الصالح ) تعرضت الكيانات الدينية غير المسلمه ايضا الى الدعوه لدخول الاسلام كرها او ترغيبا وعلى نطاق واسع وكان الصابئة المندائيون ممن شملهم هذا التوجه الاسلامي مما ادى الى ممارسة حالات الاضطهاد والتعسف ضدهم في بداية الامر ومن ثم ارتكاب جريمة القتل العمد وحملات الاباده الظالمه بحق من يرفض او يمتنع خاصة ما وفرته الحاله العراقية للمجرمين والتكفيرين والارهابين من فلتان الامن والاستقرار بعد سقوط النظام السابق بالعراق واصبح المندائيون عاجزين عن حماية انفسهم خاصة وانهم قوم مسالمون لا يؤمنون بالقتل والاعتداء وليست لهم قوات مسلحه اومليشيات تحميهم .

ان التفسير العلمي لهذه الظاهره المسماة ( السلفيه ) هي النتيجه الحتميه للاختلال الحاصل للصراع بين الارادات في جوانبها السياسية والاقتصادية والثقافيه بشكل خاص اضافة الى تزايد تراكمات المؤثرات والضغوط التي واجهت تطور المجتمعات والتي حدت من مجمل الحركه المعاكسه للتغيير وتتمثل بالحروب والنزاعات والازمات والانكسارات والاخفاقات في العراق وفي مختلف ارجاء العالم . وللمتتبع لمسيرة التاريخ البشري خاصة في النصف الاخير من القرن الماضي يلاحظ بوضوح تام تضاؤل واضمحلال مقومات النهوض والانعتاق والقدره على الخروج من حالة الانكسار والارتداد مما أدت تلك الاوضاع الى حالة من الاحباط واليأس والقنوط للانسان كفرد وللتجمعات والمجتمعات وبالتالي تبرز للوجود مقولة المخلص والتفتيش عنه حتى بخيال أصحابه وبالضروره وعلى حساب الوضع الموصوف يلتجأ الانسان الى الروحانيات وتعلو الافكار والمعتقدات الدينية التي يتعاظم شأنها لمواجهة هذه الظروف الميؤوس منها عن طريق التسكين والمؤاسآة والتمنيات كمخرج او ملاذ للفرد من مأزق معاناته
وحيرته وعجزه وترويض النفس بقبول الواقع المر ولو على مضض مع الاخذ بنظرالاعتبار حالات التخلف والجهل والعوز التي يعيشها الكثير من ابناء الشعب العراقي ويؤلفون نسبة عاليه من مجموع الشعب .

ان ما يحصل عادة في مثل هذه الاوضاع المحبطه هو تراكم واحتقان مشاعر الخيبه والحرمان والجور والعسف والخوف والعوز مقرونة بالتطلع للانعتاق والخلاص والتلهف والحلم بسيادة الحق والعداله والمساواة والخير والسلام وتحقيق الحياة الحره الكريمه ولو الحد الادنى من الاكتفاء المادي والاقتصادي والثقافي للفرد والعائله والجماعه ولكن هذه الاماني والاحلام لا تلبث ان تصطدم بحواجز الواقع السياسي والاجتماعي الذي يتولى محاصرتها وتطويعها وتحويلها الى مسكنات واقعيه واجهتها دينية طوبائيه غيبيه بعيده عن صلب الدين في مجال التطبيق .
ان الاديان عامة تدعو الى مُثل الاخلاق كالحق والعداله والمساواة كما تدين الشر والباطل والظلم والعدوان والتعسف والعداوة والاعتداء من خلال القيم والمبادئ الانسانيه التي عادة ما تقترن بالوعد والوعيد او بالثواب والعقاب وحينما يستعصي الامر وكنتيجة حتميه لأرتطام هذه المثل العليا بتطورات الاوضاع واحكام الواقع ضمن الزمان والمكان المحددين وتحدث حالة الاحباط عندها يتم اللجؤ الى الموعظه والارشاد الديني وربما الى حالة التقشف والتصوف والزهد الديني كحالة الرهبنه في بعضها وبالتالي الى ترحيل اماني وعذابات الانسان الى الدنيا الاخره وصولا للجنه الموعوده او الرضوخ الى قناعات وانكسارات نفسيه بانتظار الاجل المحتوم
ان الحركات السلفيه والدعوات لها حاليا لا تقتصر على جهة واحده او دين واحد ويمكن للمتتبع ان يلحظ على الساحه عشرات الدعوات لعشرات الاديان المنعوته سماويه كانت ام وضعيه وجميعها تدعو الناس للايمان بها بطرق شتى وكأنها في سباق مع بعضها البعض او ومع الزمن وفي هذا الظرف العالمي الغريب حيث الازمات الاقتصاديه وعالم العولمه وفقدان الامن الاجتماعي والغذائي على عموم الكره الارضيه .

ففي هذه الظروف المأساويه التي وصفتها بالغريبه تقف المندائية والمندائيون على مفترق الطرق من امرها ومما زاد بالطين بله انهم انتشروا على طول الكره الاضيه شرقها وغربها وفي اماكن هذه الشتات المتباعده لم تعد لديهم القدرة على اسيعاب وهضم الجديد في كل شيئ المجتمع المفتوح العادات التقاليد الثقافه الحره القوانين والانظمه لحماية الفرد صغيرا وكبيرا وحقوق الانسان وغيرها مما لم يألفه المندائيون وكان شانهم شأن غيرهم من الوافدين لهذه البلدان واصبح امر الاندماج واقع لا محالة اليوم او غد وان بوادر هذا الضياع ( ان صح التعبير ) ساري خاصة على الشباب منهم ولم تعد المسكنات ذات فائده ومردود فاعل وما على المثقفين من المندائيين ورجال دينهم ان يقروا هذا الواقع رغم مرارته ويستلهموا العبر من الاخرين ممن سبقهم في بلدان المهجر وحيث ان المسأله الدينيه اخذت بالابتعاد شيئا فشيئا خاصة لدى الشباب رغم عدم توفر الاحصائيات وان التكابر والتعنت لا يقدم قضيتنا ولا يؤخر حركة سير التغييرات وعليه فاني اسأل السؤال التالي المو
جه لكل فرد يهمهه ان تبقى المندائيه ويبقى المندائيون ما العمل يا ترى ؟ وان كنت ايجابيا بموقفك من السؤال المطروح ؟ ثم كيف ؟ ومن المسؤول ؟ ومن ثم اليس هذا التعنت والسكوت هو امر غريب ؟ والتفتيش عن الحلول
للاشكاليات الصعبه موقف ايجابي مطلوب من كل مخلص للمندائيين والمندائيه ؟
واكمالا للحديث ومن وجهة نظري الشخصيه ارى ان الحل يكمن في الاهتمام بالامور الحياتيه الاجتماعيه للشباب واعطاءها الاسبقية بعيدا عن المسألة الدينيه السلفيه وارجو ان لا يفسر ذلك باني ضد الدين او الانتقاص منه لا ابدا بقدر ما هو اهتمامي بالشباب المندائي الذي سنخسره وبالتالي سنخسر ذاتنا وبكلمة اخرى ان نعزل الدين عن الحياة الانسانيه ومتطلباتها المعاشيه اليوميه كأمر ضروري وضروي جدا ونترك الدين والتدين لمن يرغب وله منا جل التقدير والاحترام والسلام

الحقوقي /عربي فرحان
اوكلاند -- نيوزيلاند
Last modified on الثلاثاء, 03 آذار/مارس 2015

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي