wrapper

قصة قصيرة بعنوان/ رجل الصيانة

بقلم: هيثم نافل والي

تصدقون أو لا تصدقون... لا يهمني!

فكل ما أريد أن أخبركم به هو أن لرجل الصيانة كانت قصة، ولكن أية قصة؟! ولا في الأحلام... حدثت في ألمانيا في بلد الحرب والدمار والسلام!!Haitham

توطنت علاقتي وتطورت مع سيد ماير منذ أن استأجرت المتجر الذي أعمل فيه... حتى أصبحت علاقتي به مثالاً جيداً يحكى بين الناس من حيث الوفاء والإخلاص وبرهنا على ذلك في مواقف كثيرة متعددة لا تحصى.

كان سيد ماير رجلاً ألمانياً طيب القلب، نقي السريرة، قليل الكلام كثير الابتسام ويحب الخير للجميع كما لنفسه... رفيع القدّ طويلاً في منتصف الحلقة الرابعة ويبدو كأنه تجاوز الخمسين، صاحب شعر أحمر ناعم وطويل يعقده خلف ظهره فيبدو كذيل الحصان تلاعبه الريح وتهزه؛ يعمل مع زوجته( التي تقوم بمهمة التنظيف ) مسؤولاً عن صيانة البناية التي أملك فيها متجراً.

في إحدى العصاري القصيرة زارني والوجوم والشؤم يعلو محياه وكأنه عقد تحالفاً مع الشيطان لتوه فبدا مثل غراب طاعن في السن وهو يتأفف هلعاً ويزفر دون انقطاع وفي عينيه جرأة لا يثقبها الرصاص مردداً:

تباً لهم من أوغاد ثم عاوده السكوت المتألم الذي شككت بطوله، فصح اعتقادي حتى رجع منفجراً بغيظه كشخص مسكون بالأرواح:

إنهم ليسوا أوغاد فقط كما قلت، بل فاجرين ملعونين وأولاد سوابق... فقاطعته محتجاً صارخاً بهمس كفنان يعشق فنه بعد أن فاجأتني طريقته الغريبة التي دخل وتحدث بها والتي لم اعتدها منه بعد أن تفاعلت مع هوسه المفاجئ:

أقصر الشر واخز الشيطان يا سيد ماير!! ثم وعيت على جملتي التي تغنيت بها فعدلتها بصيغة وجدتها أقرب إلى التوسل:

أقصد ماذا هناك؟! لماذا أراك منهاراً وكأنك تريد البكاء!!

- بضحكة متشنجة كصراخ قطة محاصرة:

الذنب ليس ذنبي، هؤلاء المسحوقون الذين يشبهون الفئران المريضة الحاملة للطاعون هم من جعلوني أخرج عن طوري وأفقد توازني وبهذه الطريقة المخزية التي تراني بها!!

- بالأمانة المقدسة ماذا تقصد؟ وما حكاية الفئران حاملة الطاعون؟

- متهدجاً ملتاعاً وبنبرة محطمة يائسة لعلع من تحت شاربه العريض:

هؤلاء لا أسمعك الله أصواتهم ولا أراك وجوههم مثل ناموس يحمل الملاريا لا دين لهم ولا أخلاق... وهو مازال يزفر بضيق شديد وكأن كبرياءه انفصل للتو عن جسده وأنا جيداً أعرفه... صاحب ذوق رفيع وحساساً جداً وينهار لمجرد لمسه توخز سمعته، لذلك تعاطفت معه حدود الحزن بسبب منظره وكلامه...

أجلسته بهدوء وجلبت له كأساً من الماء وقلت له بطريقة متناغمة بين الرجاء والطلب وبصوت خافت وكأنني أمارس طقساً دينياً: لا عليك يا صاحبي، كل شيء يهون، لكل مشكلة ولها حل، أهدأ أولاً واحكِ لي بالضبط ما حصل...

صمت قليلاً وكأن مؤامرة في متجري تجري، عسعس بأدب مثل أدب القرود وقال:

يريدوننا هؤلاء الذين لا أريد أن أسميهم بأسمائهم أن نسبح بحمدهم!!

- بتراخٍ: أنا أستمع لكَ جيداً... أكمل!!

بنظرة ثقيلة كثقل اليأس والحيرة تابع: اسمع، كنت قبل أيام وعند الصباح أحوم حول البناية لفحص مواسير المياه وإذا بي أجد مجموعة من الشباب السائب يكتبون بالألوان السوداء والحمراء على حيطان البناية ويرسمون أشياء( لا أريد أن أذكرها الآن ولكنك تستطيع أن تقول عنها فاحشة ) وأردف مستطرداً بنبرة مخذولة وبصوت مسلوخ:

اقتربت منهم وأخبرتهم بأني رجل الصيانة هنا ولا اسمح بهذه الأفعال المخربة وقد قلت أشياء كثيرة وقتها وانفعلت وصرخت دون أن يعيروني أية أهمية... فتركتهم مبتعداً ومن إحدى الزوايا التي لا يستطيعون فيها رؤيتي قمت بتصويرهم بجهاز هاتفي المحمول لأثبت تورطهم بالصوت والصورة في هذه الجريمة التي توقعت أن يحاسبهم القانون عليها!!

- متدخلاً بطرف غاض: لا قدر الله... هل تشك بعقابهم ومحاسبتهم وأنت قمت كما قلت بتصويرهم؟!

- متأوهاً كمن تعرض إلى حادث:

نتف الله شعر صدورهم شعرة شعره... هذا هو الموضوع الذي جعلني أنهار وأجن!!

- بغيظ مكتوم:

كيف يعني؟ لم أفهم عليك... أرجوك وضح لي المسألة...

- ما أن أكملت تصويرهم حتى ذهبت فوراً إلى مركز الشرطة وقدمت لهم التسجيل الكامل الذي لا يقبل الشك في إثبات تورط هؤلاء السائبين أولاد الحرام في جرمهم بعد أن شرحت لهم عملي ووظيفتي... وما أن فعلت ذلك حتى شعرت فجأة وكأني أشم فيهم رائحة عفنة كرائحة قبر فتح للتو بعد ألف عام من إغلاقه فهمُّوا بوضع سلاسل الحديد في يدي وقالو بعد أن تقمصوا دور الشياطين وكأنهم يريدون بذلك إثبات مواهبهم اللعينة:

أنت متهم!!

صرخت في وجوههم وبنبرة صارمة تخللها السعال والفحيح: متهم بماذا؟!

قالوا قمت بتصوير أناس ليس من حقك تصويرهم دون إذن!! واسترسلوا بتشاؤم متابعين: نحن هنا في بلد لا نسمح من أن نجعل أحدهم يكون وثناً بشرياً كي نعبده!! ثم تابعوا صولتهم مندفعين وكأنهم في حرب ضروس:

إذا أنت فعلت هذا وغيرك يفعل الشيء ذاته ستصبح دنيانا وحياتنا الساكنة الغارقة بالنظام فوضى ومن ثم ماذا سيتبقى لنا من عمل نفعله نحن أصحاب الشأن والمسؤولين عن هكذا مخالفات؟!

حاولت إقناعهم أو شرح موقفي الصحيح كموظف يعمل على حماية وصيانة البناية التي أعمل فيها... هذه العالية التي أتمنى الآن من أن تسقط على رؤوسنا اليوم قبل الغد دون فائدة تذكر، وعملوا بعدها محضر جلسة، وهأنا أنتظر موعداً للمحاكمة، بعد أن تحرزوا على هاتفي المحمول كدليل إثبات ضدي!!

تابعت حديثه بمودة خالصة بعد أن انفطر قلبي له ولمأساته وضحكت في سري متألماً لحال صديقي الوفي وأنا أشعر بالشياط يفور بداخلي من أجله، وتذكرت لحظتها العراق... بلدي... وكم تمنيت في تلك اللحظة أن أموت!! وإذا بدمعة كبيرة متحجرة صامتة كطبعي طفرت من عيني دون أن أعي لماذا...

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي