wrapper

انا اسف قصه   قصيره

  بقلم  هيثم نافل والي

الشعر المصبوغ سوف لن يخفي تجاعيد الوجه، كفائز في حرب لم يجنِ منها شيئاً، كذاك الذي يقلّب الكتب في مكتبة دون محاولة قراءتها؛ فتتولد عنده عادات تفوق مستواه، وتجعله يتمتع بثقافة أسوأ مما كان عليه قبل التقليب، فيصبح والعياذ بالله كالساعة التي لا تعرف في حياتها، سوى تكرار دقاتها!!

أنا آدم، لكنني لست أباً للبشر!

بتباه مختالاً وبطريقة حالمة، رمزية:Haitham

أقصد اسمي فقط هو آدم، فلا تذهبوا بأفكاركم بعيداً، فأنا ما زلت شاباً في العشرين؛ ثم بشجاعة وبوجه مشرق أردف:

سأجعل الراوي هنا هو الذي يصفني، فأنا لا أحب أن أقول كيف أبدو، لأنني لا أريد أن أنهش أكثر مما أستطيع أن أمضغ...

( كان آدم أنيقاً، رشيقاً ومهذبا؛ ذا ملامح حادة، ناعمة وأصابع يديه ملفته للنظر، نظيفة كأنها مصقولة كأصابع البيانو، مرسومة بقدرة الخالق سبحانه وتعالى بدقة متناهية، أسمر البشرة كسيريلانكي وسيم )

وفي لهجة ودية غير مترددة شرع آدم يسترسل:

غالباً ما كنت أرتدي ملابس كثيرة الألوان والخطوط، ولعي بها ماذا أفعل؟! فأبدو للناظرين وأنا بداخلها كلوحة تجريدية؛ أخزاني الشيطان، وقصر رقبتي الطويلة بقدرته الكبيرة المعهودة! عذراً، فأنا لا أصف هنا ثيابي لكم لغرض الاستعراض، بل لأقول متوجعاً، كجبان تافه يثير الملل:

إنها كانت من النوع الغالي التي أقدر ثمن كل قطعة منها بما يعادل إيراد يومين مما يتقاضاه أو يربحه أبي من تجارته المتواضعة في بيع الكتب العربية للأجانب العرب في كوبنهاكن!! سلخ الله جلدي وجعلني في الدرك السابع تحت الأرض، إذ ما يخزيني اليوم هو أني لم أسأله يوماً، من أين يأتي بكل تلك النقود التي يهبها لي بسخاء غير محدود كراهب!! وهذه كانت إحدى تجاربي الخاطئة، القاسية والمؤلمة التي تعلمت منها دروساً مفيدة فيما بعد، فعلى الشاب أو الشابة أن يترفق بطلباته، خاصة تلك التي تذهب أموالها في غير مكانها الصحيح، كالثياب الغالية السعر التي يمكن استبدالها بأخرى لا تقل جمالاً وجودة من مثيلاتها ذات السمعة والماركة العالمية.

ثم نوه متبجحاً كصيحة مبتهج: لحظة من فضلكم أريد أن أتحدث معكم... فلا تتعجلوا أرجوكم! فهذه التجربة لم تكن ذات بال مقارنتاً بتلك التي فعلتها فيما بعد بنفسي وأهلي!! ثم تابع باعتزاز:

سأقص عليكم حكايتي، أعني، تجربتي بتواضع يتسم بالكبرياء، كمن لا يخاف ولا يجازف! وبصدق قد يصل حد الإيمان، وأسألكم:

هل هناك إيمان يصل حد الصدق؟ وأضاف مباغتاً بلمحة يتلكأ فيها الخبث مناوراً بتملق:

لا علينا، فليس هذا ما أريد أن أخبركم به! ثم ببراعة صبيانية نبر:

جريء أنا أليس كذلك؟! وتابع متمماً بصوت مرتفع، كصادح في أوبرا:

لا تعتقدون بأني سأروي لكم قصة منمقة، جاهزة، وكأنها حيلة أدبية لكاتب محترف!! أبداً لم أعن ذلك ولم يخطر في بالي قط. وما أردته هو أن أتحدث معكم عن تجربتي في الغربة وأنا في سن العشرين، هكذا بكل بساطة وشفافية كأصحاب لي... هل تسمحون؟

شكراً لكم!! وتابع بشهامة ورجولة واعتزاز من بين أسنانه:

تمتعت منذ صغري بحياة مرفهة، ليس لأن أهلي أغنياء، أو من الأعيان وأصحاب الثروة، بل لأنهم أحبوني بصدق لا يخامره شك. من أبوين عراقيين؛ لم أولد في العراق، بل في كوبنهاكن عاصمة الحرية والأمان وحقوق الإنسان، وما لذَّ وطاب لشاب في سني ومن هو أكبر أو أصغر مني!!

لم يكن أبي وأمي متقدمين في السن، لأنهما تزوجا عن صغر، وأنجباني وهما مازالا في منتصفا الحلقة الثانية، لكنهما يبدوان وكأنهما يوازيان عمر الكون!! ولم أفهم يوماً معنى لذلك، وكم سألت نفسي نفس السؤال: لماذا هما هكذا؟ وبمرور الوقت توصلت إلى جواب شاف أو قناعة وجدتها حقيقية، وهي لأنهما جاءا من العراق!! العراق الذي لم أزره في حياتي أبداً، ولم أعرف عنه غير ما يقوله أهلي من خلال انطباعاتهم، وزوايا رؤيتهم فقط.

كان أبي فقيراً جداً، عذراً، أعني درويشاً، ولم يكن يفهم بلغة النفاق المنتشرة في كل زقاق من هذا العالم! وما في قلبه يظهر على لسانه، كريماً جداً لا يتصوره إنسان، كفلاح من أهل الجبل؛ له عنق قوي، ورأس غير عنيد، طويل، أنيق، ونظيف جداً، له أنف طفل مثير يدل على البراءة، ذو خيال خصب متقد وواسع، كشيخ لقبيلة من البدو؛ عيناه واسعتان، لهما ميل للنبوغ أو الإبداع، وإذا ابتهج، فمرحه غالباً ما يكون متوجاً بالرزانة!! غفر الله له وعفا عنه، فحتى فرحه ومرحه كان جاداً، مهذباً ومتزنا!!

في حين تمتعت أمي بجمال أخاذ يأسر القلوب، وبنبرة صوت شجية، مؤثرة كرنة النحاس، واثقة من نفسها جداً ولا تحب التبرج كثيراً، وأصغر من أبي بثلاث سنوات فقط.

قلت في البداية إن أبي ليس من الأعيان وأصحاب الثروة، وتصورت حينها عن غباء، بأنه كان يعرف كيف يأتي بالمال، ولم أعلم إلا بعدة فترة طويلة أنه كان يستلف المال ويستدين من أجل تلبية  طلباتي التافهة، السخيفة التي كنت أستطيع التخلي عنها بسهولة كالثياب المرتفعة الثمن، أو الأحذية الرياضية ذات الاسم العالمي، أو أجهزة الاتصالات الحديثة وغيرها من الكماليات التي لا تغني ولا تشبع، وكانت هذه إحدى الأسباب المخجلة التي دفعتني أن أتحدث بها معكم، للترويح عن نفسي ولكشفها وتعريتها أمامكم، لعل بعض الذين في سني يدركون أو يتعظون!!

نافست أمي أبي في طيبته، فتغلبت عليه... عجباً لها من أسرة!!

لم أرَ في حياتي التي عشتها في كوبنهاكن مثلها؟ فهما يخرجان، يأكلان، يعودان، ينامان، يشربان، يضحكان، ويبكيان معاً!! وكأنهما متصلان بعضهما ببعض بسلاسل فولاذية غير مرئية، وعندما كبرت  ووعيت على نفسي والحياة، عرفت بأنهما متحابان، ويفهمان بعضهما إلى حد يشبه الصورة وانعكاسها في المرآة أو كالظل والجسد، وأدفع الغالي والنفيس وأتحدى من يستطيع تمييزهما ليقول مفرقاً:

من هو الجسد منهما، ومن هو الظل؟! هكذا كانا أمي وأبي.

لكنني لم أبق وفياً، مخلصاً، مثابراً، جاداً، واضحاً وصريحاً معهما، كما أنا الآن معكم!!

فقد كافحت وقاتلت- حسب رأي – من أجل توصيل فكرتي ومن ثم الأخذ والاقتناع بها كما يكافح ويقاتل الشيطان، هل تصدقون؟!

ويجيب على تساؤله بصورة غريزية دون وقفة لأخذ النفس:

بلا، صدقوا فهذا الذي حصل وحق الريح وما يصاحبها! وأضاف برقة لم يستطع من خلالها إخفاء قسوته:

الإنسان ليس سكة قطار، لا يعرف الانحراف!! حاولت أن أستقل بحياتي من خلال طلبي وبإلحاح كبير أن أكمل حياتي الدراسية والخاصة في بلد آخر أو حتى في قارة أخرى... ثم وهو يعظ شفتيه بازدراء:

وجدت ذلك جزءا من مستلزماتي الشخصية التي لا يستطيع أي فرد في هذا العالم أن يمنعني من ممارستها، رغم حصولي على كل ما أريد دون أن أعلم كيف كان أهلي يلبون طلباتي العجيبة، الغريبة، بهذه السرعة، وبهذه البساطة، كما قلت مذ قليل؟!

كانت وجهتي استراليا...

هاجرت لها برغبة جنونية، شيطانية عارمة، بحثاً عن ذاتي التي كنت أقول عنها، مفقودة!! رغم معارضة أهلي لقراري... لكنني عملت ما رأيته صحيحاً من وجهة نظري! ولم أتأثر بمناشدات أهلي لي، لا العنيفة منها ولا الرقيقة!!

حاولت في البداية من تكملة دراستي الجامعية ففشلت فشلاً ذريعاً، لم يكن هذا في حساباتي يوماً!! لقد أصبحت هناك فجأة متوتر الأعصاب، كالفأر...

فاللغة، والمواد العلمية، وأسلوب الدراسة المختلف، وغلاء المعيشة، وتكاليف الدراسة التي يجب عليّ دفعها قبل كل بداية عام دراسي... كلها كانت أسبابا قاهرة، منطقية، أدت إلى فشلي في تكملة دراستي التي كنت متفوقاً فيها في كوبنهاكن!! اللعنة على طموحي الغريب، وجموحي الأهوج الأرعن.

بندم صادق، وبسحنة غير لونها الحقيقي، فبدت سمراء داكنة كلون الجبل العاري، أردف:

هذه كانت من أخطر ما وصلت إليه هناك... حيث بتركي للدراسة، حاولت أن أعمل وأن أعيش، فليس لي من بعد ذلك الفشل المروع من خيار آخر، وعملت في شتى الأعمال... حتى أستقر بي الحال في مجال البناء.

لا تظنون بأني عملت كمهندس هناك، كما هو تخصصي قبل أن أفشل في دراستي!! بل عاملاً بسيطاً، وبأجور قليلة لا تتناسب والجهد والتعب المبذول، حتى مرضت، لأنني لم أتعود تلك الحياة القاسية، الصعبة، الأليمة!!

بتمرد ونزق، وغرور مزمن يستحيل الشفاء منه:

اتجهت إلى زمرتنا، عفواً، أقصد أصدقائنا وأقربائنا هناك، كشيطان مسكين استحث مساعدتهم بغفلة ساذجة، لأن عنادي بعدم التوجه إلى أهلي كان كبيراً، كصلابة وعناد فولاذ السكة الحديدية!! وعلى ما أذكر... اعتقدت خاطئاً بأنهم ربما سيكونون لي عوناً أو مثل أمي وأبي حباً وعطفاً!! لكنني تفاجأت بردودهم الباردة، اللاسعة، التي لها وقع السم في البدن، وأكثرهم قبحا واستهتارا كان شخص يحسب نفسه رجلاً ويمتلك خصيتين! له لحية قصيرة مثل لحية التيس، حيث تقدم نحوي وشعرت بأنه يريد نطحي قائلاً بفتور واستياء دون استحياء، كأولئك الذين يتظاهرون بالنعاس عندما لا يرغبون التواصل في الحديث، وبتوبيخ قاسٍ:

لو كنت جاداً، رجلاً كما تدعي وتقول؛ لنجحت في حياتك هناك حيث ولدت!! ثم سألني بصرامة، وبتأنيب لاذع شعرت أنها وقاحة وتطرف سخيف:

لماذا أنت هنا؟!

صدمت وصعقت بحديثهم، وردودهم النارية، وكأنني طعنت من قبلهم بآله حادة، عكس ما كنت أتوقع، إذ كنت أشعر بأنني شاب، مرح، وسيم، وقور، ذكي، حساس ويحسب نفسه ذو شأن... لكنني خرجت بنتيجة مؤلمة، قاسية وحقيقية بعد أن أفقت على ضياع الشفقة، وأنا أتظاهر بالاحتشام وأختبئ وراء الرزانة، تلك التي يمتلكها أبي دون نزق، أو كذب أو مهادنة، أصلية كالذهب الخالص، لكنني لا أمتلكها ولا حتى ظلاً منها؛ فصدقت حينها بأني أمثل شخص لا يعرف الله... وكان هذا الشعور قاس جداً، تقبلته بعسر وعلى مضض وأنا أمط كلمة أفّ دون حرج وأشتم زمرتنا تلك وأقول: ليذهبوا جميعهم إلى الجحيم، على ما فعلوه بي!! ثم بدناءة لا تخلو من سوء النية:

حاولت الاتصال مجدداً بأهلي...

لكنني تكلمت معهما بطريقة تتسم بالغباء، غير ممتعة كعادتي معهما!

أمي وأبي... مسكينان لم يصدقان الخبر!!

وما أن انتصبت أمامهما كالأبله، حتى طوقا عنقي بقوة وكأنني طائر، لا يرغبان أن يفلت أو يطير من بين أيديهما من جديد!! فسمعت دقات قلبيهما بدقة ووضوح عالٍ، كتكتكات ساعة حائط أوتماتيكية قديمة لا يقل عمرها عن نصف قرن.

لم أكن أعلم من قبل بأنني لا أعرف في حياتي سوى أن أكون سيئاً، وقحاً وأتظاهر بالبرود مع اللذين يحبانني، بل كنت أتحدث إليهما من فوق كتفي بتعالٍ غريب، وبصورة مثارة أحياناً، ومشاكساً في أحيان أخرى، لذلك كنت طوال هجرتي الطويلة وعلى مدار سنتين، لم أحاول أو حتى أزعج نفسي بالسؤال عنهما، ليس لأنني لا أريدهما أو لا أحبهما...

بل لأنني أردت أن أثبت لهما، بأني أستطيع أن أبني حياتي دون مساعدتهما أو وجودهما أو نصائحهما!! وهذا كان من أخطر وأحقر القرارات التي اتخذتها ضد أهلي في حياتي!! ثم أستدرك بألم وحسرة كمن يشعر بالعار:

هذه هي تجربتي المريرة القاسية، أضعها أمام أعين أخواتي وأخوتي ليأخذوا منها العبرة والحكمة وأن يتجنبوا الوقوع بمثل هذه الأخطاء لأنها ستكون محطمة لنفس الإنسان وروحة وأحلامه على أقل تقدير.

رجعت إلى أحضان أمي وأبي وأنا أشعر بأن لون بشرتي قد تغيرت وأصبحت كلون الحصى عند الجرف بعد أن جففتها الشمس، ألطم صدري بطريقة مسرحية منفعلة ومؤثرة، خالية من الغطرسة والتعالي هذه المرة...

رجعت إلى اللذين يحباني أكثر من نفسيهما، وقبلت عرض أبي بأن أساعده في متجره لبيع الكتب العربية، بعد أن فقدت الرغبة بمواصلة الدراسة وهذا كان نتيجة طبيعية لرغباتي الغبية الرعناء، التي لم تثمر سوى التأخر والقهر والعناء.

شعرت بلطفهما الذي يتسم بالرضا، ولم أتبرم أو أزم شفتي بعدها كما في السابق... ولم أصب بسوء أو أذى من تجربتي المريرة هذه سوى أني بقيت ولفترة طويلة أعاني من مزاجية تتسم في بعض الأحيان بالحنق، وحيرة مقترنة بالذهول؛ ومن ضحكات ليست متوقعة ولا في محلها أو أوانها غير مستساغة، كضحكات شخص مصاب بالسل؛ ولحظات من الانفعال غير المبرر وبعاطفة مكبوتة، مجهولة الهدف، والذي كان غالباً ما ينتهي بي إلى البكاء الصامت المدمر، محاولاً كتمان دموعي بصعوبة بالغة... فأمسيت شخصاً مركوناُ في نظر نفسي، وكان باستطاعتي أن أصدق، أن أحداً لا يعبأ بي الآن، كشلال مهجور بعد أن جفت ينابيعه، لكنني تعلمت من كل ما جرى شيئاً عظيماً: من لا يستمع إلى نصيحة أهله، يكون كمن يريد أقناعنا بأن الذخيرة في المعركة أهم من الطعام!!

وفي أحد الأيام عند الصباح الذي بدا لي بهياً، جميلاً ورائعاً...

عندما كنت مشغولاً بترتيب بعض الكتب، تقدم أبي مني ببطء شديد كالبصير دون عصا، ثم انحنى عليّ بعطف محموم... قبلني قبلة حارة شعرت أن قلبه ينزف، وكأنه ينوي توديعي قبل سفر طويل، قدم لي رزمة من الأوراق، لم أعرف حينها ما كانت تعني...

بعد أن قرأتها اكتشفت أنها أوراق قبولي واعتمادي مجدداً في كلية الهندسة بكوبنهاكن... فخنقتني العبرات ولم أستطع وقتها من أن أبوح بما كان قلبي يردده:

أنا أسف.  

يا أمي، وأبي.

أسف...

يا أغلى، وأغز الناس. 

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي