wrapper


لماذا نكتب، ولمن؟

بقلم: هيثم نافل والي

اعطني العافية ونهاراً واحداً وأنا الكفيل بأن أجعل من أبهة الملوك والأباطرة مهزلة

الإهداء:

إلى شاعرنا الغنائي المبدع عالمي التفكير، إنساني الشعور، شرقي الروح" قيس السهيلي " أرفع مقالي هذا.Haitham

بروح خاشعة، كالمحراب، وبهدوء لا يمتلكه ميت سأكتب ما يمليه عليّ صوتي المتهدج والخارج من بين ضلوعي... لأنني لا أؤمن بأن قوة الإنسان كامنة في حنجرته!!

حالفني الشقاء منذ الصغر، منذ القرن العشرين في عامه الخامس والستين، والفقر كان يتبختر في أرجاء بلدي كالناموس في ليلة صيف حارة وخانقة، كمشية الصبي المشاكس... ما أن ينخفض له ساق، حتى يرتفع له كتف!! فشحذ شقائي موهبتي، وزادتها وحدتي قوة وإلهاما، ومحك الشهرة الزمان. وكما قال الشاعر رشيد أيوب: قالوا عنه، حبّ. وفرط الحب أضناه، وقالوا شاعر يشكو، فما تجديه شكواه. وقالوا زاهد، لما، رأوه عاف دنياه، ومنهم قال درويش، غريب ضاع مأواه، سألنا بلا جدوى وولى ما عرفناه...

بتقدير يجهله الشيطان سألت نفسي هذا السؤال: لماذا، ولمن نكتب؟! وهل من يتعاطى الكلمات ينفجر لو لم يعبر عما داخله يصرخ به؟ ترى أي لعنة تطارد هؤلاء الذين يتفننون بعرض بضاعتهم على الناس دون إستئذانهم أو سؤالهم؟ هل هو هوس من نوع نجهل فصله وأصله، أم للقضية أركان أخرى يقف سطحها عليها؟!

بغرور مستميت، كغرور اللقلق عثرت على تفسيرات مختلفة تجعلنا نقترب من نواة الموضوع لعلنا نجد جواباً لما نفكر فيه...

هناك فئة من الكتّاب الذين يدارون ويجارون زمانهم. وهناك من يأخذه زمانه معه وحسب. وهناك من يجر زمانه معه وحيثما يشاء... وهذا هو الأقوى والأصلح وصاحب المبدأ الذي يستطيع أن يقول" لا " وكل من حوله صم لا ينطقون! ويصح عليه القول: لا طمعاً بجنة ترجى، ولا هرباً من جهنم تخشى. خاصة وهناك من يردد: إذا أردت السلم فاستعد للحرب، والأجدر كان يقال: إذا أردت الحياة فاستعد للسلم.

أنتميت إلى الموقع المندائي قبل سنتين ونيف؛ تعرفت من خلاله على شخصيات فذة رائعة لم يحالفني الحظ قبلها معرفتهم، فتعلقت بهم تعلق الغصن بالشجرة. زادت همتي وأشدت حماستي في الكتابة حتى أصدرت خلال تلك الفترة المنصرمة أكثر من تسعين قصة قصيرة وعشرات المقالات التي كانت صولاتها تسمع عن بعد كصولات الرعد في جو ماطر. لكن الحياة لا تمشي كلها بصورة حسنة، فقد تلقيت من الركن الآخر( من معشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) بعض التجريح، وأسمعوني فج الكلام وأقساه، ومنهم من أتهمني بالتبشير إلى أديان أخرى، وربما يخرج لي أحدهم ويتهمني اليوم بالعمالة أو التجسس، وكأنهم بذلك: يقضون على الفكر بالخبل، والخيال بالشلل.

 لذلك وجدت نفسي أمام تحدي صعب: أما الأستمرار أو التوقف. التحدي والمجابهة أو التراجع والتقهقر. وبعد تفكير طويل رن هاتف بيتي ليعلن عن مكالمة آتيه... فقطع التفكير، الشك بالقين، وأخترت ما يناسبني وما جعلني أكتب شر مقالي هذا وأنشره على الملأ... وسأحدثم عن شأن المكالمة لاحقاً فالرزق وفير!

تعلمت شيئاً رائعاً لن أنساه أبداً... المعارضة الفكرية لابد من وجودها، فهي تمثل المرآة وعمل الناقد في الأدب. مهما كان توجهها وسياستها وأفكارها وحتى سلوكياتها...

علينا أن يكون صدرنا واسعاً سعة الكون... نسمعهم ونرد عليهم، نخاطبهم ونتحدث معهم وبلغتهم التي يفهمونها دون تجريح أو إنتقاص. عندها نضمن أستمرارنا وعطاءنا ونرضي معارضتهم وطموحهم وطمعهم من وراء الإعتراض!!

لكن الموضوع لن ينتهي بهذه السهولة التي تتوقعونها! فالبئر العميق لا يملئ بسرعة. فهناك من يعارض دون أن يسمعك رأيه، أو أن يقول لك ما يضمره قلبه، وهنا يكمن الشر، ونبقى ندور ونلهث في مكاننا لا نعرف ماذا يريد وبماذا يفكر؟ لأننا أزاء فكر مغلق، ونفس لا نعلم من أسرارها شيئاً، وردود أفعال هؤلاء تكون كردود أفعال الصديق الخائن... ترى كيف تكشفه؟ يا الله... هكذا إذن. الكتابة أمر غاية في التعقيد. لا كما يتصوره البعض، مجرد كلمات تكتب، وأقوال تعلن.

نرجع إلى المكالمة التي وصلتنا والتي جعلتنا نتخذ قرارنا الحاسم من كتابة هذا المقال المنحوس:

هدلت مستطلعاً: ألو... من هناك؟

- أنا...................  من مدينة شتوتكارت، هل عرفتني؟

- بالتأكيد... ثم غيرت لهجتي بأصبحت عدائية غير متوقعة:

عذراً، فأنت لم تتصل بي من قبل مالذي حدث؟

- مكهكهاً ملء كبده: ها... ها... ها... هكذا أنت دائماً لن تتغير... القلب بارداً والفكر شاردا، ثم همس مندفعاً:

كنت قبل أيام في مجلس عزاء قريباً لنا، وأثناء ذلك وزع أحدهم بعض الكتب التي لا تعني لي الكثير، لكن خجلي جعلني أقتني واحداً، أخفيته في عبي وكأني أخفي شيئاً ممنوعاً ولا أعرف لماذا وقتها تعمدت أن أتحاشى النظر إلى الآخرين؟ الحقيقة يا هيثم بدأ العرق يتصبب من جسمي كالشلال، أستغفرت ربي وقلت محدثاً نفسي:

ما هذا يا رجل؟ ماذا تفعل بنفسك؟ الأمر لا يستدعي كل هذا الخجل المفرط، وأنت لم تأتِ بشيء غريب لا سامح الله، وكل ما فعلته، أنك أشتريت كتاباً دون أن تعرف صاحبه ومادته!! ماذا يعني ذلك، ومن ثم أنت لا تتعاطى الكلمات ولست مدمن على القراءة، يمكنك رميه ما أن تخرج من القاعة... وهكذا أقنعتني ذاتي بأن ما أفعله ليس عيباً ولا حراما... لكنني لم أرمِ الكتاب وها أنا اتصل بك بسببه!!

- منغصاً الأجواء: بسببه!

- نعم، لأنك صاحبه!

- معاتباً كالرجم بالغيب: أي كتاب هذا الذي أنا كاتبه؟

- الدين والنبي في التاريخ. وما أن فتحته وبدأت أقرأ أولى الصفحات حتى أبتلعني فأرجعني إلى سنوات بعيدة خلت كنت وقتها أقرأ بإنتظام وأقرض الشعر وأتوه في صفحات الأدب؛ لقد أرجع كتابك الشيق هذا رغبتي في القراءة، فبعث فيَّ المتعة التي كنت أتصور بأنها ماتت دون رجعة!! وصاح منتعشاً:

 شكراً لك على هذا الكتاب وحلفت أن أكمله دون إنقطاع وانقطع الخط على كلماته التي دارت تتردد في ذهني وكياني، كالصدى في الصحراء... وهي ترن هامسة: لقد أحييت فيّ رغبة القراءة مجدداً، وبعثت بداخلي المتعة والإنعتاق إلى الأدب الذي طلقته منذ أمد بعيد من جديد...

عندها عرفت بأننا نكتب للجميع، للناس والجمهور والقراء، للجاهل والمتعلم، للرجعي والتقدمي، للمؤمن والكافر، للكبير والصغير، لمن يتفق معنا ولمن يعارضنا... نكتب لأننا لا نستطيع ولا نعرف إلا أن نكتب. الله هو الذي خلق فينا تلك الموهبة، زرعها دون أذن منا، فعلينا ألا نخالف مشيئته... خلق الفكر كي يستثمر لا أن يطمر... هو الحكيم الفهيم.

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي