wrapper

البرونايا والولادة من زهرة اللوتس
 

 مثنى حميد مجيد


عيد الصابئة  ، البرونايا : أي أيام الخلق التي عبّر فيها الخالق - الباري - عن قدرته العفوية في خمسة أشكال أو مظاهر أو - أيام - ولذلك فهي - بَريّة - أي طبيعية وعفوية في إنبثاقها وجدلها وصيرورتها ولم تصدر عن إفتعال أو حاجة أو نقص. وهذه الأشكال أو المظاهر هي ١. الحياة ٢.العظمة أو القدرة الذاتية للحياة -  ربوثا - على الولادة الدائمة والتجدد ٣. المعرفة - مندا اد هيي- أو قدرة الحياة على وعي ذاتها كونيا وتاريخيا ٤. القسط - كُشطا - أو قدرة الحياة على تحقيق مبدأ العدالة والإنتظام والموازنة في ديمومتها وحركتها ٥. الماء الحي - مياهيا - وهو الحاضن الأولي اللازم للمادة العضوية وولادة الكائنات - البَرِيَّة -.

ومفردة برونايا ذات علاقة متداخلة بأشكال الفعل العربي أبرى إبراء أي خَلَقَ ، وبَرِيَ أي نبت بشكل عفوي ومنه نقول نبات برّي أي ينبت بشكل عفوي ، وبرى يبري العود أو السهم أو القلم أي يثقفه فيقال أعطِ القوس باريها أي صانعها أو مهذبها وجاء في القران الكريم - هو الله الخالق الباري - الحشر.٢٤.ونجد نفس الجذر للفعل العربي في المندائية و -  بر- في المندائية والعربية تعني ابن ، ولد ويتداخل نفس الفعل صوتيا مع الفعل العربي فَرَعَ ، تفرّع ، فرع والفعل المندائي فرا أي أثمر وتفرع ، وفيرا تعني الفرع أو الثمرة أو الشجرة لغياب العين في المندائية .ولذلك تسمى البرونايا أحيانا فرونايي ومن نفس الفعل تم إشتقاق التسمية القديمة المركبة للهرم أو البيرمد المصري وهي بيرا - ميت أي مُستقّر أو بيت الإبن البكر ، الأول للسلالة ، الفرع الأول ، الثمرة الأولى.وفيرون أو عربيا فرعون لا تُشير فقط إلى الملك المصري بل إلى الجد الأول أو الإبن البكر والأقدم في العائلة أو السلالة.وقد كان المصريون القدماء كالصابئة يحتفلون بهذه الأيام الخمسة لخلق العالم وعلى أساسها تم إشتقاق فكرة الهرم الذي يتشكل من خمسة أوجه أربعة مثلثات وقاعدة مربعة .وفي الوقت الذي تمثل فيه المثلثات الأربعة حزمة من ضوء أو طاقة منبثقة من نقطة لامتناهية في الصغر هي بمثابة البعد الأول فإن القاعدة المربعة تمثل الإنفتاح اللانهائي للكون.فالهرم هو الهيكل الرمزي الذي من خلالة يتم تجَدّد الحياة والعودة إليها . ويُعيد الباحثون فكرة الهرم إلى الزقورة السومرية ومن خلال الشعوب القديمة السامية ومنها الصابئة إنتقلت إلى مصر القديمة.
 
على مستوى الطبيعة تجسد زهرة اللوتس الجميلة المعاني الرمزية لهذه المناسبة وهي لدى المصريين والصابئة تعبير عن الثمرة داخل الثمرة والتي ولدت منها آلاف الثمار. وتزهر نبتة اللوتس مع بداية الربيع وحتى نهاية الخريف وتتفتح في الصباح لتغلق تويجاتها عصرا لأربعة أيام وفي اليوم الخامس تتفتح تويجاتها للمرة الأخيرة ولا تغلقها بل تسقط ليبقى فقط الجزء الأخضر والقمعي منها ينحني نحو الماء ويلقي بذوره لتبدأ ولادة جديدة للحياة.وقد كان المصريون يستخدمونها في طقوس الدفن كرمز لتجدد الحياة فقد وجدت بقاياها تغطي جسد توت عنخ آمون عند فتح قبره عام ١٩٢٢. ويستخدم الصابئة بدلا منها إكليل الآس بنفس المعنى وفي الوقت الحاضر وفي بلدان كالسويد حيث لا تنمو نبتة الآس فهم يستخدمون نبتة دائمة الخضرة مشابهة لها لكن الغرض هو ذاته والإختلاف في نوع النبتة كما يظهر يرتبط بظروف البيئة والمناخ والمكان وعلى مر العصور.

 ويعبر مجازيا عن زهرة اللوتس لدى قدماء المصريين ، بتويجاتها الداخلية الصفراء ، بالبيضة الكونية أو الوعاء الأول للولادة الكونية وهو ذات التعبير المجازي تماما الذي يرد في المآثر المندائية لدى تطرقها إلى نظرية الخلق .ويتم التعبير عن هذه الولادة فلسفيا بمفردة - مانا - التي إنبثقت منها المانات وهي مفردة ذات معنى مزدوج إذ تعني وعاء وعقل في ذات الوقت ، ومجازيا يتم التعبير عن هذه الولادة بالثمرة - فيرا - داخل الثمرة أو البيضة-  هِلبونا - التي ولدت منها الحياة وكل هذه التعابير والمفردات تتطابق مع ما ورد منها في نظرية الخلق المصرية القديمة ورغم مرور آلاف السنين وهو ما يؤكد قدرة الصابئة على حفظ القديم الضارب في القدم ،كما يؤكد أيضا الأساس الموضوعي الذي تقوم عليه أساطيرهم عند تحليلها من منظور تاريخي علمي.

وأدرج فيما يلي بعض التعابير ومقاطع من التراتيل والصلوات المندائية التي ترد فيها تلك المفردات مثل فيرا ، فروان ، بروان* ، طورا هيوارا ،أي الجبل الأبيض ، الكرمة أو الجفنة وكلها ، ومن منظور تأويلي ولغوي ، ذات صلة وثيقة بالبنى الفكرية والميثولوجية المصرية القديمة وتحمل أيضاً في بعضها دلالات وإشارات واضحة للأهرامات المصرية :
 
 - ثم إني أمجِّدُ وأُسبحُ وأُثني على ذلك الإكليل النقي الذي أغدقت به عليه الكرمة الأولى بيرون العظيمة والسرية-.الترتيلة ٣٧٤.ص.٢٦٨.قلستا
 
- بهاتا فيرا هون منه ألف ألف فيرا اد لا ساجا - من ذلك الثمر ظهرت الآلاف من الثمرات التي بلا حد. - الكنزا ربا - اليمين -.
 
ويرد في الترتيلة ٣٧٩ ص -٤ ٣٠من كتاب قلستا هذا المقطع عن الكرمة بروان:
 
ولسوف ترى جبلين نقيين
وصافيين ، ومن خلفهما سترى
النور الأثيريَّ السامي مرتفعا
في مقام الحياة العظمى الأولى
وسترى الكرمة بروان مرتفعة
في الأرض الثابتة ، النابتة ، المُفلحة**.
 
 
. أن هذه المفردات المندائية مثل ، جبل ، جبل أبيض ، كرمة ، ثمرة ، فرا ، فروان ، بروان ...إلخ تأتي دائما في اللغة الدينية في سياق واحد ومتقارب وغالباً ما تتداخل ، وكحزمة لغوية واحدة ، في أبعاد ميثولوجية وأسطورية دلالية متماثلة وذات مغزى مقارب يوحي بإتجاه زماني ومكاني واحد تؤشر له وتتقارب مع بعضها بإتجاهه.
 
 
  في كتابه - أصول الصابئة المندائيين - يستعرض الأستاذ عزيز سباهي أوجه التشابه بين معتقدات الصابئة وأساطيرهم وبين تلك الخاصة بالشيثيين ، كما تتضح في مخطوطاتهم المعروفة بمخطوطات نجع حمادي ، والتي تشير إلى أن واضعها هو شيت العظيم وهي أيضا تذكر الجبل الأبيض المقدس - سير - المذكور عند المندائيين وأن نوح بنى فلكه هناك - ترى أسطورة مندائية  أن سفينة نوح قد رست في مصر - وأن كلا من الصابئة والشيثيين يعتقدون أن بوابة السنور ، المطراثة ، تتلو هذا الجبل مباشرة  ويمجدون الشمال ويستندون عليه بالنجم القطبي ، وينوه أيضا إلى تأكيد الصابئة أن كتبهم كانت مدونة على ألواح محفوظة في جبال مقدسة بيضاء .ومما يذكره الأستاذ سباهي أن الشيثيين كانوا كالمندائيين يستخدمون الصور ، مثل صورة البيت في إنجيل توما ، أحد المخطوطات التي عثر عليها في نجع حمادي ، التي تقابلها صورة ال - شكنتا - لدى المندائيين ، وصورة النسر للتعبير عن المخلص في - الكتاب السري ليوحنا - ويستعرض أيضا أساطيرهم المشابهة لأساطير المندائيين التي أوردوها في كتابهم - سفر آدم - المتضمنة رؤيا آدم التي يقصها لولده شيت وهو في السابعة من عمره يعرض فيها ما سيواجه البشر وعن الدورات المتعاقبة لفنائهم وقصة الخلق المشابهة لما عند المندائيين وقصص أخرى مشابهة لقصة حمل النسر أنوش أثرا ليهيا يوهنا إلى الجبل الأبيض ...إلخ. وبودي التأكيد هنا إلى أن ما توصل إليه الأستاذ عزيز سباهي عن العلاقة التاريخية والدينية بين المندائيين والشيثيين هو إستنتاج يقارب الحقيقة وأن هذه العلاقة يمكن أن تسندها ليس فقط مخطوطات نجع حمادي بل المقارنة اللغوية العلمية لأهم مفردة  تدور حولها كل أساطير ومعتقدات الصابئة والشيثيين وأقصد بها إسم الجبل الأبيض - سير - فهو ليس غير إسم - أوصار - المندائي الدال على -  أوسير - الهيروغليفي ، أوزريس ، وأن الإشارة إلى الجبل الأبيض ، إضافة إلى دلالاتها اللاهوتية والتاريخية ، ماهي في الإستنتاج الأخير إلا إشارة ، مباشرة أو غير مباشرة ،إلى الأهرامات ومنها بشكل خاص الهرم الأكبر الأبيض أصلاً في مظهره الخارجي***.
 
وأبو صير هو اسم لعدد  من قرى مصر تتميز بوجود أثار فرعونيه أو رومانيه ومنها قرية أبوصير الأثريه بالجيزه وفيها العديد من أهرامات الأسرة الخامسة  ومعابد الشمس و أشهرها معبد الشمس للملك أوسركاف . وتقع منطقة آثار أبو صير الملق في جبل أبو صير وقد عرفت في النصوص القديمة باسم بوأوزير أي مقر أوزريس  . وعثر في المنطقة على مقابر من عصور ما قبل الأسرات ومن الاسرتين الأولى والثانية ومن الدولة القديمة وبعض مقابر الدولة الحديثة  وآثار ترجع للأسرة ٢٦  .. وأبو صير كانت الإقليم رقم ٢١ من أقاليم مصر العليا وبالمنطقة معبد الإلة بتاح سوكو أوزير****.
 
...................
 
 مصادر وهوامش:

 مفاهيم صابئية مندائية .ناجية مراني . بغداد ١٩٨١ طبعة ثانية
 أصول الصابئة المندائيين و معتقداتهم الدينية.عزيز سباهي.دار المدى للثقافة والنشر بيروت 1996 م
 .المعجم الوجيز في اللغة المصرية بالخط الهيروغليفي .برناديت موني. الترجمة عن الفرنسية ماهر جويجاتي. الطبعة الأولى. القاهرة 1999 دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع
الجمع بالواو والنون بين الآرامية والعربية والعامية العراقية/ فهيم عيسى السليم.موقع الناس
 
 *
يُشار إلى الهرم ، الجبل الأبيض بفروان طورا اد هيوارا  كرمز للمعرفة ، ويشار إليه أيضا في كتاب قلستا المندائي بالكرمة أو الجفنة فيرا أو بيرون لاحظ الصفحات ٧ ، ٢٦٨ ، ٣٠٤
ونفس معنى الماء الحي ، الحيوي ، المولد للثمر والزرع تمنحه مفردة فيرا لإسم النهر - بيرياويس - اليردنا العظيمة الذي يرد كثيرا منها الصفحات ٧  ، ١٢ ، ١٥  ،١٨  ،٣٠  ، ٦٨ ١٤٣ ، ٢٣٢ ، ٢٦٠ - كتاب قلستا
...ويرد في نفس المصدر بوصف آخر ، بيرياويس زيوا  ، في الصفحتين ٩، ١٢.
The Canonical Prayerbook of the Mandaeans
E.S.Drower.Leiden.E.J.Brill.1959
 
 **
لم تترجم الليدي دراور الكلمات الثلاث الأخيرة  ضمن المقطع وتركتها بأصلها المندائي: شارات - أوابدات - أكيشرات وأعطتها الترجمة التالية في الهامش:
She-was-firm-and-she-acted-and-was-successful
 تبدو هذه الكلمات الثلاث مثل إشارة ضمنية وحاملة لمعنى مقارب جدا للشارات المصرية المقدسة الثلاث الإنخ والجيد والواس.:
  
 
***
 حافظ الهرم الأكبر على مظهره الأبيض حتى عام ١٣٠٠ م حين تسبب زلزال شديد في إنهيار العديد من صخور الحجر الجيري التي كانت تغلفه ثم أجهز على ذلك الغلاف السلطان المملوكي الناصر ناصر الدين الحسن بإستخدامه تلك الصخور في بناء مساجد وحصون للقاهرة .
 
 
 ****
 ورد في الترتيلة ٤٩ من كتاب قلستا وصف لمراحل إنتقال النفس عبر نهر الموت - هافيقيا ميا - المحاذي لعالم النور - في ديوان أباثر هناك سفينة لنقل النفوس - ويرد ذكر كائنات متعددة لمساعدة النفس منها شاروئيل - صاروئيل - ملاك الموت ، الشاري ، المفدي - مفاهيم صابئية مندائية ص ٣٦٤ -.ويرد أيضا ذكر أربعة كائنات أخرى هي إن هيي ، شوم هيي ، زيف هيي وأنهور هي وكل منها يلف النفس برداء ضياء إذا كان ذكرآ أو رداء نور إذا كان أنثى وهذه الكائنات تذكر بأربعة كائنات مصرية مثلها هي مستي ، حابي ، دواموت سنو إف وقبح سنو إف ، ترافق حورس في رحلة مشابهة.وتنتهي الرحلة بإستلام النفس من قبل الملاكين بتاح وأوصار اللذان يفتحان لها باب الحياة  لتدخل وتتحد هناك مع نظيرها.وفي هامش ترجمتها لكتاب قلستا ص ٤٦ تشير الليدي دراور إلى معنى مفردة - سير - التي تأتي بمعنى الباب الذي يفتح  للحياة الخالدة مما يعني ضمنا أن مفردتي بتاح وأوصار هما إختزال لعملية فتح - بتاح - لباب الحياة - أوصار. وفي المندائية يأتي الفعل صر ، صرر بمعنى ربط أو شد - أكدية صريتو بمعنى رباط - مفاهيم صابئية مندائية - ص ٢٠٦.وهو ما يؤكد إضافة إلى ما ذكرناه سابقاً الأصل السامي المندائي للإسمين المصريين بتاح وأوصار أو أوسير ، أوزير.

بعض الصيغ العربية الواردة في المقالة:

Per Mer:محبوب البيت 
Per mit: في داخل البيت   
Per Neter: بيت الروح ، الطبيعة..
Nuter:نفر ، نيوتر ، طيب ، جميل
Puramis:   من التراكيب أعلاه  تم إشتقاق الصيغة الإغريقية القديمة للهرم
Pirun the Vine:الكرمة جفنا  بيرون
Pyramid:  هذه المفردة لم تظهر في اللغات الأوربية إلا بعد عام١٥٥٥
Per Aa: فرعون
Per Ankh: بيت الحياة ، مدرسة المعبد
 ¤ P :  يُرمز لهذا الصوت بالهيروغليفية بالشكل المربع ، القاعدة. وفي السومرية تعني - إي - بيت المعبد ،  وتُكتب أيضا بالرمز المسماري المربع.
وتعني إي - أن - كي : بيت السماء والأرض. والإله السومري أنكي يمكن مقارنته ببتاح الفرعوني وكلاهما يمثلان الإنسان الإله¨.ويُلاحظ في النقوش والتماثيل أن الإله بتاح يقف على قاعدة مربعة وهو ما يشير إلى الصلة الرمزية اللغوية والحضارية المشتركة في المسمارية والهيروغليفية للمربع بالمعبد وأنكي ببتاح..
 
مصادر من الإنترنت:
 
1.The Pseudepigraphical Book of Enoch
2.Samuel Noah Kramer and John Meier.Myths of Enki,The Grafty God.New York.OxfordUniversity.Press.1989.
3.Free Wikipedia

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي