wrapper

دعوة للحوار
الطائفة المندائية ، تحديات كبيرة ومستقبل مجهول
5
فائز الحيدر
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=284774

المقدمة ....

تواجه الطائفة اليوم جملة من التحديات تسير بها نحو المجهول ، وفي مقالاتنا السابقة تحدثنا عن المندائيين والأضطهاد والتطهير العرقي عبر التأريخ ، أنقراض اللغة المندائية ، موقف المرجعيات الدينية في العراق وإيـران من المندائيين ، ضياع التـراث المندائي ، أما اليوم فنتحدث عن الهجرة العشوائية وتأثيرها على المجتمع المندائي .

التهجير والهجرة العشوائية وتأثيرها على المجتمع المندائي

عرفت المنظمات الأنسانية الهجرة : (عملية إنتقال أو تحول لفرد أو جماعة من منطقة إعتادوا الأقامة فيها الى منطقة آخرى خارج حدود هذا البلد ، وقد تكون هذه العملية مؤقتة أو دائمة وخاضعة لإرادة الفرد أو الجماعة ، أما الهجرة القسرية : فهي إجبار سكان البلد الأصليين على الرحيل بغيـر إرادتهم من ديارهـم بالقوة من قبل الأكثرية ، بسبب القتل والأضطهاد الديني لغرض إجبارهم على إعتناق دين أو مذهب آخـر ، وبذلك يصبحون أقليـة فيه و خاضعين لقوانين الأكثرية وأنظمتها ، ومن ثم تسلبهم بالتدريج كافة حقوقها الدينية والأقتصادية والثقافية والفكرية ) .

لقد عانى المندائيون وكباقي الأقليات الدينية في العراق من الهجرة والتهجير القسري منذ قرون مضت ، وخيـر مثال ذلك ما سببته الغزوات الأسلامية للمنطقة العربية ومنها العراق تجاه الأديان الأخرى ، حيث أصبح المندائيون وهم من سكان البلد الأصليين منذ آلاف السنين أقلية دينية مسلوبة الحقوق والحريات في أرضهم مما دفعهم للتفكير بالهجرة لخارج وطنهم .

وبعيدا" عن هذا الواقع المؤلم وما يعانيه المندائيين والأقليات الأخرى في العراق من إضطهاد يومي ، فقد تجاهل غالبية المفكرين الأسلاميين مسألة الأقليات الدينية وأنكـروا وجودها أصلا" ، في محاولة لصهـرها ضمن المجتمع العربي الأسلامي ، فهناك من رجال الدين المسلمين والمفكرين العرب ، من يقول إن إثارة مسألة الأقليات والمطالبة بحقوقها التي نصت عليها القوانين الدولية ، هو مخطط صهيوني صليبي ، الهدف منه تقسيم الوطن العربي الإسلامي ، وهـدم دينه ، وعلى العرب والمسلمين الوقوف بوجهه ومحاربته . بينما يقول آخرون ، بإن مشكلة الأقليات العرقية والدينية لم يكن لها أي وجـود يذكر في الوطن العربي ، لأن الإسلام كم يدعون لا يفرق بين المسلمين على أساس الجنس أو العـرق أو اللون أو حتى اللغة وكذلك لا يظلم غيـر المسلمين على أي أساس . وان الحل الأمثل لمشاكل الأقليات هو العودة إلى المرجعية الإسلامية وإعـلاء قيمة الانتماء الحضاري الإسلامي .

ورغم كل الأضطهـاد اللاإنساني الذي واجهتـه الطائفـة المندائية خلال عقـود طويلة ، لم يعرف الصابئة المندائيين الهجرة القسرية بشكلها العشوائي الحالي لأرتباطهم بأرض الوطن ، ولكن يمكن القول إن هجرة المندائيين قد بدأت منذ ستينات القرن الماضي بشكل فردي ، نتيجـة تعرض الكثيـر من المناضلين المندائيين للقتل والتعذيب والسجون بعد تسلم حزب البعث الفاشي للسلطة في الثامن من شباط عام 1963 ، وأخذت هجرة المندائيين بالتصاعد في السنين اللاحقة حتى وصلت قمتها في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي ، بسبب أشتـداد القمع وتوسع الحملة الشرسة لنظـام البعث الدكتاتوري لتصفية القوى الوطنية واليسارية ، وما تبعه من من حروب وحصار إقتصادي في فترة التسعينات ، إلا ان تلك الهجـرة قد تحولت إلى عملية تهجير قسري جماعي ، وشملت الآلاف من المندائيين بعد سقوط النظام الدكتاتوري في التاسع من نيسان عام 2003 وتسلم قـوى الأسلام السياسي المتخلفة مقاليـد الحكم في العراق ، حيث جرى تكفيرهم من قبل بعض المرجعيات الدينية والمليشيات ورؤساء العشائر .

لقد مارست المليشيات والعصابات المرتبطة بقوى الأسلام السياسي المشاركة بالحكم وخارجه ووفق أجندة خارجية وداخلية أبشع أنواع القتل والخـطف ، وإتباع أساليب القمع والتهديد بالأستيـلاء على الأمـلاك المنقولة وغير المنقولة لحمل المندائيين على تغيير عقيدتهم الدينية ، كما وتم أجبار النساء المندائيات على أرتداء الحجاب والزواج القسري وإغتصاب العشرات منهن ، وممارسة الختان المحرم بالديانة المنـدائية بشـكل قسري على الأطفال والبالغين المخطوفين ، مما سبب في هجرة عشوائية غير مخطط لها لآلاف منهم لدول الجوار وهم في ظروف صعبة بحثا" عن مكان آمن للعيش .

إن ما عاناه ويعانيه المنـدائيين ولغاية اليـوم قد وصل حد الكارثـة الأنسانية بحق ، حيث نجد عشرات الألوف منهم في حالة يرثى لها ، وهم يتركون منازلهم ومصادر رزقهـم ووظائفهم ومدارس أطفالهم في أرض آبائهم وأجدادهم ، وهم يهيمون اليوم في شوارع وأزقة المدن السورية والأردنية وغيرها من دول الجوار ، وليس لهم من الإمكانيات المادية ما يستطيعون به تدبير أمورهم المعيشية اليومية وينتظرون عطف المنظمات الدولية وما نجود به أيادي أبناء جلدتهم من المندائيين الذين حالفهم الحظ في الوصول لبلدان اللجوء من مساعدات شحيحة بين فترة وأخرى .

أما من تبقى في العراق ، ومن ليس له الأمكانية بمغادرة الوطن من الطبقات الفقيرة والمتعبة فمعاناتهم مضاعفة ، فهم يمرون منذ سنوات ولغاية اليوم بظروف غاية في الصعوبة في العيش والأستقرار وسط العنف الذي يتعرضون له ، حيث يعيش الجميع في دوامة من الخوف وفقدان الأمن ومن المستقبل المجهول الذي ينتظرهم مما دفعهم أيضا" للتفكير الجدي بمغادرة الوطن الى دول الجوار التي توفر لهم الأمان والأستقرار المؤقت على الأقل .

ومن جانب آخر فقد ساهمت الظروف الأجتماعية والأصطفاف الطائفي والعشائرية والتخلف الديني والعادات والتقاليد البالية التي مرت ويمر بها الشعب العراقي منذ عقود طويلة وفي ظل أنظمة حكم متخلفة متعاقبة ، على تخريب نفسية نسبة كبيرة من المجتمع العراقي داخل الوطن ، ومنهم المندائيين بالطبع بإعتبارهم شريحة من شرائح هذا المجتمع وعاشت إلى جانب محيطهم المتخلف ، بغض النظـر عن وضعهم الأجتماعي والأقتصادي وثقافتهم ، وظهرت لدينا بعض الشخصيات المندائية التي تميزت بالكبرياء والتعصب الفكري والديني ، والمبالغة في الأنجازات ، والشعور بالعظمة وحب الذات ، وبقدراتهم التي لا تتوفر لدى الآخرين ، مستغلين ذو ذوي القلوب الطيبة من المندائيين وبطرق ملتوية لتحقيق مصالحهم الشخصية والأنانية ، لغرض الحصول على المناصب الوهمية ، تحت واجهة الحرص على الطائفة وحماية أبنائها غير مبالين بالطائفة ومستقبلها . وبدلا" من التخلص من تلك النفسيات المخربة والمريضة ، حمل البعض منهم مع الأسف نفسيته المخربة لبلدان اللجوء وبانت أكثر وضوحا" هناك ، فتلاشت لديهم مشاعر التواضع والتسامح والطيبة والمحبة المندائية ، وحل محلها الحقد والكراهية والأنقسام وإنشاء التكتلات وخلق المشاكل ومحاولة شق وحدة الطائفة بين مندائي العراق وإيران ومحاولة سحب البساط من تحت أقدام المؤسسات الدينية والمدنية المندائية المنتخبة ، والتي عادة ما يظهرونها تحت شعارات وواجهات دينيـة وثقافية وفي أوقات مختلفة ، وأصبحت ظاهرة الأنا والنرجسية والتعصب الديني وعـدم أحترام الرأي الآخـر أبرز ما تتصف به تلك الشخصيات بتعاملها مع الآخرين . أن تلك النزعة التي يحملها البعض من المندائيين تعبر بشكل مباشر أو غير مباشر عن ثقافة الكراهية ، التي تهتم بتحطيم الآخر وإنتهاك ثقافته وقيمه الفكرية والروحية ، تلك الثقافة التي تدعوا إلى زوال الآخر وما يملكه من إمكانيات وأفكار ومبادئ إنسانية .

وفي دول اللجوء حيث وصل الآلاف من المندائيين ، واجهتهم صعوبات كثيرة وبدأت معاناة جديدة وبشكل آخر ، فقد تشتتت الكثير من العوائل في بلدان عدة متباعدة ، فنرى الآباء في بلد والأبناء في بلد آخر ، مما يصعب لقائهم وجمع شملهم من جديد ، مما أضعف العلاقات الأجتماعية والعائلية وحتى الأنسانية بينـهم ، وبدأ الأبناء بتعلم لغة البلد الجديد وعاداته وثقافته ، وتخـلوا عن لغة الوطن الأم وعاداته وتقاليده ، وأخذ الجيل الجديد من الشباب بالسخرية والأستهزاء من عادات وتقاليد الآباء والأجداد المتخلفة حسب تعبيـرهم !!! .

وفي ظل هذا التشتت وإنعـدام المؤسسات المندائية الفاعلة ودور العبـادة ( المنادي ) في مناطق سكنهم الجديدة ، إضافة لقلة رجـال الدين المندائيين وإبتعاد غالبيتهم عن الأهتمام بالشباب وغرس الروح المندائية بينهم ، بقى الأباء والأمهات لا يعرفون مصيرهم في الغربة ، وهل هي غربة دائميـة أم مؤقتة ، وهم يتطلعـون الى الوطن والحنين أليه ، وليس لهم من سلـوى سوى متابعة القنوات الفضائية العربية ، والأستماع لأغاني حضيـري أبو عزيز وداخل حسن وناصر حكيـم وغيرها من الأغاني الشعبية القديمة التي تشدهم للوطن وتعيـد ذكرياتهم فيه ، بينما يستمتع الشباب بأحـدث أنواع التكنولوجيا وعلم الكمبيوتر ، والأستماع لأغاني مايكل جاكسون وسالين ديلون وهيفـاء وهبي وشاكيرا وغيرهم من مطربي هذا الزمان ، أضافة لما يسببونه من المشاكل الأجتماعية والعنف العائلي الناشـئ عن الإدمان على المسـكرات والمخدرات والتدخين والدخـول في عصابات مختلفة خلافا" للقوانين المحلية السائدة ، وهنا يبـدأ الصراع بيـن الطرفين على أشده ، حيث يفقد الوالـدين السيطرة على الأبناء غير قادرين على فعل شئ وهم تحت حماية قوانين الدولة ورعايتها . وبعـد كل ما ذكر من الأمور المحزنة وبعـد سنوات قادمة تكون الطائفة المندائية قد خسرت أجيال الشباب من أبنائها وبناتها في بلدان المهجر . عندئذ يكون مستقبل المندائية في المهجر قد دخل أكثر المراحل خطورة . ومن هنا تقع على الطائفة بمؤسساتها المدنية والدينية والمثقفين المندائيين وكل من يعنيه الأمر مسؤولية الحفاظ على طائفتهم بإيجاد الحلول الواقعية لتجاوز هذه المرحلة الخطرة .

وبعيدا" عن مسببات الهجرة وما يحمله البعض من تلك النفسيات المخربة في بلدان المهجر والتي تحتاج إلى إصلاح ، على الجميع الألتفات إلى التحديات والصعوبات الحقيقية والأكثر أهمية والتي تواجه المندائيون اليوم في بلدان المهجر ، وتحتاج لدراسة معمقة من قبل الجميع ، لوضع الحلول العملية والواقعية لها من خلال مؤتمراتهم القادمة ، ومنها تشكيل المجلس الروحاني العام والذي طال إنتظاره من قبل المندائيين ، ومستقبل الطائفة في ظل المستجدات والتحديات التي تواجهها ، كتطبيق الطقوس المندائية بما يتلائم مع الظروف المستجدة على الساحة المندائية دون المساس بجوهر تلك الطقوس ، وإنتشار ظاهرة الطلاق المخيفة بين الشباب والتي توسعت بشكل يدعوا للأستغراب ، وزواج البعض من الجيل الجديد من أديان أخرى ، وعذرية المرأة ، والختان القسري ، والتشجيع على إنجاب الأطفال ، والعشرات من القضايا الأخرى التي تم طرحهها على موقع الياهو المندائي . وعلينا هنا التعامل مع هذه الطروحات بعقلية منفتحة بعيدة عن التعصب لأيجاد صيغة مقبولة للجميع وفق واقع المندائيين الجديد بعيدة عن عقلية الماضي للبعض من المندائيين ، وإلا فأننا سنقع في خطأ كبير لا نحسد عليه مستقبلا" .

من هنا ندعوا كافة الأخوة المندائيين لإعادة النظر في القيم العليا السامية للطائفة وضرورة غرسها في أعماق نفوس الناشئة من المندائيين وصولا" إلى التواضع والأبتعاد عن الذات والتكبر والتعصب وأحترام الرأي الأخر والحوار الحضاري المتبادل ، فالحوار يتطلب وجود الطرف الآخر وهذا لا يتم إلا بالأبتعاد عن الأنا ، وبالتالي كلما ترفع الانسان عن إنانيته كلما أوجد في ذاته مكانا" رحبا" للآخر .

المصادر ـــــ

1 ـ الصابئة المندائيون ، ترجمة نعيم بدوي وغضبان الرومي ، بغداد 1969.
2 ـ سلام إبراهيم كبة ، الهجرة والتهجير واللجـوء سياسـة غدر النخـب الحكمة في العراق ، الحوار المتمـدن لعدد 1568 في 6 / 1 / 2005
3 ـ موقع الجريدة الألكتروني ، مستلزمات إيقاف نزيف الهجرة والتهجير ، البينة 9 ، العدد 795.

يتبع في الحلقة السادسة
كندا
في 24 / تشرين الثاني / 2011

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي