wrapper


 
 فائز الحيدر

عندما يود المرء أن يتحدث عن الثقافة والمثقف ودورهما في المرحلة الحالية من تأريخ العراق نتوصل الى إن الإشكالية لا تكمن في تعريف من هو المثقف ، بل بالدور الذي يقوم به المثقف في مجتمعه ، والسـؤال هنا هل كل إنسان يقوم بدور المثقف يعتبر مثقفا" ؟ وما هو دور المثقف في المجتمع المتخلف ذو الثقافـة المتخلفة والتي ساهمت الأنظمة السياسية السابقة في أظهـارها الى الوجود ؟ يعلم الجميع إن المثقف هـو ذلك الإنسان الذي يعي ذاته ومجتمعه من خلال الصلة التي تربطه بواقع هذا المجتمع وما ورثه من القضاياالفكرية والحضارية ، وبقدرته على إدراك واقعه السياسي والإجتماعي والإقتصـادي ، وتفسير هذا الواقع تفسيراً حقيقياً . وما هو دور المثقف وهو يرى أنحـدار مسـتوى الثقافة التي بنـاها المئات من المثقفين لأجيال الى أدنى مستوياتها في العقود الأربعة الماضية ولحد الأن ؟؟
 

لقد أتبع النظام الكتاتوري المنهار سياسة ثقافية رجعية فاشـية في كل جوانبها وطالت كل الأفكار المنتجة وشوهت حتى العلاقـات العائلية والسلوك الإجتماعي وتخلفت عن ركـب الثقافات المعاصرة ، وأصبحـت المجالس التي تعني بالفنون والآداب والتعليم وقاعات العلم والدراسة ومهرجانات الشعر والرسم والموسيقي والبرامج الأذاعية والتلفزيونية .. الخ ، نواد وأجتماعات حزبية تسودها الفوضي والخوف بكل معنى الكلمة ، وأزداد الفساد في المراكز الثقافية والعلمية ، وشاعت الرشاوي للحصول على الشهادات في كل مراحـل التعليم وحتى مرحلة الدكتوراه ، ويبين لنا أرشيف المكتبة الوطنية بأن هناك أكثر من ثلاثين بعثيا" أميا" قد حصلوا على شهادة الدكتوراه من الجامعات العراقية في مدح الطاغية وحروبه المجنونة وهم لا يملكـون القدرة على التحدت أو حتى كتابة بضع جمل قصيرة مفيدة مترابطة .
 

ومع مطلع 1980 وبعدما سيطرة صدام حسين على الحكم بشكل مطلق بدأ بتسييس الثقافة لخدمة نظامه الدكتاتوري ، ومع بدء الحرب العراقية الإيرانية كانت نقطة التحول في هذا الأتجاه حيث تم شراء الكثير من الأقلام والعقول لتمجيده وحربة وتم طبع ونشر كل ما يكتب في هذا المجال وتحولت الصفحات الثقافية في الصحف العراقية لنشر كل ما يمجد نظام صدام والحرب وظهرت مجموعات قصصية مثل ( قصص من لهيب النار ) يتحدث كاتبوها عن المعركة وتمجيدها بشكل قصصي .
 

وقام الكثير من مرتزقة النظام ومثقفيه الأميين من العراقيين والعرب بتأليف العشرات من الكتب مدحا" للطاغية وحبا" بما تجود به يده عليهم من هبات وكوبونات النفط ، ومن يقرأ كتاب ( التنمية الإقتصادية في فكر صدام حسين ) يعتقد إن الطاغية كان مفكرا" اٌقتصاديا" ومن يقرأ كتاب ( صدام حسين مناضلا" و مفكرا" وإنسانا" ( يعتقد إن صدام كان مناضلا" في سبيل الوطن وأنسانا" وهو مؤسس المقابر الجماعية وصاحب التعذيب والأعدامات بحق المناضلين والأبرياء من الشعب العراقي .
 

هذا الأتجاه حصر الثقافة عند عدد من الكتاب والشعراء الذين رضوا لأنفسهم أن يكونوا بوقا" للنظام حتى تحول مهرجان المربد الشعري السنوي مهرجانا" لتمجيد صدام حسين ، وكتب عبد الأمير معلة رواية (  الأيام الطويلة ) التي تحولت إلى فلم سينمائي وهى تتحـدث عن نضال صدام ومحاولة إغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم وهروبه الى سوريا . حتى وصلنا إلى مرحلة من الأنحطاط الثقافي عندما ظهرت روايات تحمل أسم ( زبيبة والملك ) و( القلعة الحصينة ) وكان يعتقد إن كاتبها هو صدام حسين التي حاول فيها تمجيـد معاركه وظهر فيما بعد إن كاتبها هو الكاتب المصري ( جمال ألغيطاني ) بناءا" على أفكار وتوجيهـات من صدام نفسه .
 
  لقد أصدرت دار الحرية للطباعة بين عامي 1976 و1984 أربعة وثلاثين كتابا" منشورا" بإسم القائـد المفكر الضرورة تتحدث عن فكر القائد ، والنظرة للمستقبل ، ومواجهة العاصفة ، والأقتصـاد ، وأدارة الصراع أثناء الحرب ، إستراتيجية التخطيط الإقتصادي ، والتكنولوجيا ، والقائمة طويلة وتشمل العشرات من الكتب والبحوث والمقالات والدراسات والمؤتمرات ، كلها في فكر وتخطيط ودراسات ورؤية الرئيس حفظه الله ورعاه.
 
في الوقت الذي لم يعرف الشعب العراقي عن صدام حسين سوى كونه طاغية بكل معنى الكلمة ، ولكنه علم بعد حين بأنه مهندس في الطاقة النووية وفي العلوم الفلكية والزراعية والأجتماعية والسياسية وأخيرا" فهو مهندس معماري بالفطرة ومن الدرجة الأولى ، فقد دعـا يوما" المهندسين المعماريين المرتزقة من العراق والبلدان العربية لمشاهدة معرض لهندسة وتصميم البيوت والمنازل التي وضعها و صممهـا القائد ، مما دفع بالمهندسين المعمارين لدراسة هذه التصاميم وبيان مزاياها الخارقة التي لم تخطـر على بـال أحد منهم أوالشركات الهندسية في العالم حيث يملك القائد فكر معماري هائل .
 
 
 
أما في الشعر والشعراء ، فقد كتبت أشعار في مديح القائد الضرورة ، الذي كان في غالبيته سعي من كاتبيه من المرتزقة وراء منصب أو حفنة من النقود ، فقد إبتذل العـديد من الشعراء العراقيين والعرب أنفسـهم بشكل مهين ، ولم نقرأ إن هناك ثقافات عالمية وصلت الى هذا الحد من المهانة والنفاق من قبل المثقفيـن الأميين ، ولا نريد أن نستعرض ما كتبه هؤلاء من قصائد المديح للطاغية فهو الكثير ولكننا نود أن نبين ما قاله الشاعر نزار قباني في إحدى مهرجانات المربد بقوله :  ( لقد جئت إلى بغـداد مكسورا" ، فإذا بصدام يلصق أجزائي ، وجئت كافرا" بممارسات العرب وإذا بصدام يرد إلي إيماني ويشـدّ أعصابي ، وهكـذا أعود من بغداد وأنا ممتلىء بالشمس والعافية ...فشكرا" لصدام حسين الذي قطّر في عينيّ اللون الأخضر ) ، وهناك العشرات من الشعراء العراقيين المعروفين لدى الشعب والمختصين في مديح القائد الطاغية ، ويكفي التذكير بالألقاب التي كانت تطلق على بعض هؤلاء الشعراء كشاعر القادسية عبد الرزاق عبد الواحد الذي وصف صدام بأوصاف لا تليق الا بالخالق ، مخاطبا" صدام ( يا واهبا" للشمس غربتها ) ، وشاعر الحزب وشاعر الحرب .... ألخ .
 

وهكذا تحولت الثقافة المبـدعة بأشكالها المختلفة الى ثقـافة هزيلة وأرتزاق رخيص ، يلزم طابعها الرعب والتناقض ، رجعية في مفاهيمها بعيدة عن أداء واجبهـا ومهماتهـا في المجتمع ، وأصبحت الثقافة تقاس حسب ما يملكه دعاة الثقافـة من أكل وشرب وسيارات ، إما الروح والإبداع وحرية الفكـر والأنفتاح على العالم في المجالات الثقافية والسـياسية والإجتماعية فهذا شئ غير محبب من وجهة فكر البعث . وأخذت عامة الناس تتلجأ الى الغيبيات والسحر والشعوذة والخرافات لحل المشاكل الإجتماعية والسياسية ، هروبا" من التفسير العلمي للواقع والأحداث ، وبهذا الوضع المتردي للثقافة هاجر الألاف من المثقفين الى خارج الوطن بحثا" عن متنفس ثقافي  .
 
ثم جاء اليوم الذي ينتظره الجميع فقد سقط النظام الدكتاتوري في التاسع من نيسان / 2003 فماذا حصل للثقافة والمثقفين ؟؟؟؟؟
 
سنواصل ذلك في حلقتنا القادمة
 
 
 
كندا في نيسان / 2012

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي