wrapper


فائز الحيدر
 
 
 
في التاسع من نيسان/ 2003 سقط النظام الدكتاتوري ، وأستبشر المثقفون خيرا" ، وعـاد بعضهم من المنفى آملين أن يساهموا في بناء ثقافة عراقية أصيلة على أنقاض ثقافة البعث الفاشية السابقة ، ولكن بعد فترة قصيرة تبين لهم عكس ما كانوا يأملون ، فقد سيطر فكر العمائم وأحزاب الأسلام السياسي على مقاليد السلطة في العراق وتبين ليس لدى هذه الأحزاب أي توجه ثقافي مغاير لفكر حكومة البعث السابقة التي حكمت العراق طيلة أكثر من ثلاثة عقود ، بل إنها أمعنت ولا زالت تمعن في أعادة المسيرة الثقافية الى ما وراء عهد الطاغية صدام حسين وذلك بتكبيل العراق بأزمات الطائفية والمحاصصة والمليشيات المسلحة ونهب الثروات والفساد المالي والأداري ، ونتيجة لذلك ظهرت تحديات وعقبات جديدة أمام المثقفين والثقافة العراقية عموما" خاصة وأن هذه الأحزاب لها أديولوجيتها الخاصة التي لا تنسجم مع ما يطرحه المثقفون الواعون لمستقبل الثقافة في العراق وهنا بدأ التناقض بين الطرفين . فقد سادت قيم التخلف والجهل والأمية ، وبرز للساحة زعماء يسعون لتكريس الطائفية ويلجأون إلى تسييس الدين وإستغلال المشاعر الدينية للجماهير البسيطة لتحقيق مكاسب حزبية ، لذا فقد إتخـذوا من الطائفية المقيتة مدخلا" رئيسيا" لدخول المعترك السياسي في مجتمع لم يعرف يوما" التمييز الطائفي أو الديني بالشكل الذي نراه اليوم . وتحولت أجهزة الأعلام الحكومية من صحافة وتلفزيون وفضائيات وغيرها الى وسائل أعلامية طائفية ، ومن يتابع الفضائيات العراقية يلاحظ دون أدنى شك مدى طائفية تلك المحطات في نشراتها الأخبارية وبرامجها اليومية .
 
وفي محافظات جنوب العراق بدأوا بمسح الهوية الثقافية العراقية وذلك بقيامهم بإغلاق دور السينما وقاعـات المسرح بحجة تعارض الفن مع فكر المرجعيات الدينية ، في حين تدعوا هذه المرجعيات وعبر رجالها المعممين لنشر زواج المتعة في المحافظات الجنوبية والوسطى مستغلين حالة الفقر والعوز الذي تعانيه المرأة ، ثم قاموا بتهديد الشعراء والروائيين والأدباء في مهرجان المربد بحجة عدم مساهماتهم الأدبية في المناسبات الدينية ، إضافة لما تقوم به إيران من تمويل وبناء مكتبات دينية هدفها نشر ثقافة دينية متخلفة . إن الثقافة الطائفية والمتخلفة لا تعيش إلاعلى التمييز ولا تستطيع الأحتفاظ بالسلطة إلا بتمزيق أوصال المجتمع وهى الوسيلة الوحيدة لزعماء الطائفية المقيتة للقفز الى السلطة والتشبث بها مهما كلف الشعب من دماء وبؤس وشقاء وهى التى أوصلت العراق إلى حالة الإنحطاط الشامل والفوضى والفساد والقتل .

لقد سيطر مثقفوا السلطة الطائفية على المراكز الثقافية وحصر حق التصرف في شؤون الثقافة ببضعة أفـراد يتبادلون المواقع فيما بينهم ، ويواصلون مراقبة الكتاب والتجسس علي المثقفين والتخلص منهم أحيانا" أذا تطلب الأمر ، وما طريقة تصفية مستشتار وزارة الثقافة الشهيد كامل شياع بكاتم الصوت يوم 24 / آب / 2008 إلا خير دليل على ذلك نتيجة تصدي الشهيد للقوى الطائفية والمذهبية والحزبية التي سيطرت على وزارة الثقافة وحولتها الى مركزا" لتمجيد المناسبات الطائفية والحزبية وإبراز الوجه القبيح للثقافة العراقية وحولت الوزارة الى حسينية ومكان لتلاوة القرآن . كذلك إغتيال الناشط هادي المهدي وهو من أبرز منظمي الأحتجاجات الشعبية في 28 أيلول / 2011 ، ولم ينسى جيش المهدي دوره في إنشاء برنامجا" تثقيفيا" بعنوان ( الممهدون ) يهدف إلى تخريج جيل يحارب التيار العلماني في العراق والثقافة العلمانية خوفا" من تأثيرها على الشباب وكما إعلنه التيار الصدري في برنامج تلفزيوني . وما طالعنا به رئيس الوزراء السيد نوري المالكي في الأيام الأخيرة في خطابه بذكرى إستشهاد السيد محمد باقر الصدر المرشد الروحي لحزب الدعـوة بقوله ( كنا قد نشأنا على فكر الشهيد الصدر وتلسحنا به يوم كانت التحديات الألحادية والماركسية والعلمانية ، فهزمناها بكل ثقة وبفضل الصدر وفكره ).
 
وفي هذا الواقع المزر على المثقف الملتزم أن يكون صادقاً مع نفسه ، واعياً لمسؤليته ، حاملا" لهموم المجتمع ومستقلا" عن السلطة بالرغم إن تحقيق هذا في غاية الصعوبة . إن إستقلالية المثقف عن السلطة غاية مطلوبة يسعى أليها ، ولكن يأتي السؤال هنا هل يمكن تحقيق هذا الأستقلال بشكل كامـل ومطلق وسط العنف الحالي ؟ على المثقف أن يواجه هذه السلطة الطائفية التي غالباً ما تسير في خط معاكس لكل ما يمثله المثقف الواعي . وهنا تبدأ المواجهة بين الطرفين لأن السلطة في البلدان المتخلفة عادة ما تكون سلطة قمعية فهي لا يمكن أن ترضى من المثقف أن يشكك في طروحاتها الفكرية.
 
وهنا يتحدد دور المثقفين في تنقية القطاعات الثقافية من كل التشوهات التي دخلت عليها ، وأن يتم الأعتماد على الكفاءات في إختيار الكوادر الثقافية المعبرة عن روح الثقافة الأصيلة وليس مثقفي ) سوق مريدي ) والشهادات المزورة ، وألغاء التقاليد والأعراف المتخلفة التي غزت المجتمع وبرز من خلالها المثقفين الأميين والجهلة ممن إستلموا المواقع السياسية والإقتصادية في النظام بحكم ما يملكون من تراث طائفي وعشائري ، أو من رجالات العهـد الصدامي والذين أرتدواالعمامة  واللباس الديني بدل الزيتوني . مما أدى الى ظهـور ثقافات بديلة مثل ثقافة الأرهـاب والتطرف والعنف والطائفية وثقافة إنهاء الآخر ، تلك الثقافات التي أوقفت التقدم الثقافي وشلت الحياة الثقافية ، ومع الأسف يحدث كل هذا تحت واجهات قومية ودينية متطرفة ضد فكرة التقدم الثقافي عند المثقفين .
 
ولتحقيق ذلك على المثقفين أنشاء ثقافة أصيلة تشارك فيها كل القوى المثقفة في المجتمع بعيدا" عن تدخل السلطة وتأثير رجال الدين ، ورفع الوصاية بكل أشكالها علي الأنشطة الثقافية من أجل مواكبة الثقافات الأخرى ، لكي تكون الثقافة مرآة عاكسة لكل مكونات المجتمع وهمومه بعد أن غابت عنه طويلا" بسبب غياب الديمقراطية والنظام الديمقراطي وحل محله النظام الطائفي والعشائري المتخلف .
 
إن الثقافة في أي مجتمع هي ثقافة أنسانية تكونت عبر أجيال وتهـم الجميع ، فليست هناك ثقافة تخص هـذا المجتمع أو ذاك ، وليست هناك ثقافة دخيلة أو ثقافة مستوردة كما يتصور دعاة التخلف من المثقفين الأميين ، إنما الثقافات تتواصل في حركتها فيما بينها مؤثـرة ومتأثرة ، حاملة إنجازات وبصمات هـذه الثقافة أو تلك . وتتفاعل الثقافات وتتضافر في صراعها ضد عناصر التخلف ، فإن المثقف الواعي أو الذي يدعي الثقافة يجب أن يدرك أن ما يعتبر صحيحا" بالنسبة له ، ليس مهما" أن يكون صحيحا" لقطاعات كبيرة من المجتمع لأن حرية التعبير وأحترام الرأي الآخر هي سمة أساسية للمثقف .
 
 إن جميع العاملين في الحقل الثقافي يسودهم اليوم الرعب من بطش القوى الدينية المتطرفة ومليشياتها بسبب فقدان الديمقراطية الحقيقية والأمن وضعف السلطة ، ففي ظل الديمقراطية والأنفتاح ينتعش الفكر التقدمي والثقافة المبدعة لخدمة المجتمع ، وفي غيابها ينتعش الفكر الرجعي المتخلف الذي يعمل على تكبيل الثقافة والوعي والعمل على الإبقاء على التخلف والجهل والأمية وتتكرس أفكار وثقافات مشوهة تعمل على تحطيم البناء الأجتماعي والثقافي وتتحلل القيم الثقافية وهكذا يتراجع الفكر ويتراجع معه الخوف والرعب الدائم على المستقبل .  

ولهذا السبب هناك الكثير من المثقفين لم يتحملوا مناخ الإرهاب والجريمة والقتل الذي فرضه المثقفين الأميين عبر أحزابهم ومؤسساتهم وتنظيماتهم.. قد هاجرواإلى خارج الوطن وهم ينتظرون العودة ....ولكن متى ؟؟؟
 

 كندا في 19 نيسان / 2012

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي