wrapper

قصة قصيرة

قبالة سوق( الطمة).. وهو مكان قديم في شارع النهر ببغداد ..يقال عنه :انه كان في سابق الزمان (حمام السيدة زبيدة بنت جعفر احدى زوجات هرون الرشيد )؛ وكان يطل على نهر دجلة وفيه من الطرق والدهاليز الصغيرة‘ كآنها مدينة السحر في مدينة الالعاب!.
jamal hekmatمنذ بضعة عقود مضت.. بنى مالك السوق الحاج نوري مجموعة محال اختص اصحابها بتصفية الذهب والفضة.
وفي كل صباح باكر‘ وحيث يسكن الماء بغفوته‘ شامر غطائه الشفاف مع نسيم الصباح الهادئ ‘الكاشف عن الرقائق اللامعة والغافية فوق وسادة الرمل ‘ والهاربة في الامس من يد اصحابها من الورش ومحلات الذهب التجارية. –- كان الشباب المتواجدين قبالة( الطمة).. واقفين عند جرف نهر دجلة وهم حفاة القدمين ‘ يرتدون ملابس العمل القديمة ‘ والمشبعة بروائح ماء النهر الذي صنع برطوبته جداول اخترقت ثيابهم‘ وراحت تمس اجسادهم الملساء النحيلة مخففة شدة حرارة الشمس اللاسعة كلدغة الدبور وهم غير ابهين ولا شاعرين بنسائم دجلة التي تغنى بها شعراء بلدهم..

 


وكان همهم الوحيد هو رزقهم من غسل حفنات من تراب الجرف علهم يعثرون على ذرات الذهب العالقة والنائمة برمال النهر ..و يقومون بجمعها‘ ثم صهرها عند اصحاب الافران النارية المتواجدين في الطمة حتى يحصلوا على قرص فضي فيه نسبة من الذهب الخالص؛ احيانا لا تتجاوز البضعة سنتات يبيعوها الى ورش الذهب او الصاغة حاملين بضعة نقود يعودون بها الى بيوتهم بعد مغيب الشمس خائري القوى ووجوههم شاحبة امتزج بها العرق والرماد؛ بعد ما انهكتهم شمس العراق الحارقة بحرارتها والتي تصل في ايام الصيف 50 درجة مئوية وحرارة الافران وغازاتها الملوثة ..وكانوا في بعض الاحيان يجمع الواحد منهم غرام واحد من الذهب في الاسبوع , فلا حيلة لديهم فالحصار القى براثنه عليهم، والحروب التهمت بسعيرها كل خيرات بلادهم ،وها هم يجمعون تراب النهر علهم يلقون رزقا حلالا.. يقوتون به ابدانهم ويطعمون به اهلهم
- بعد توسل من بعض شباب الطمة‘ استطاعوا اقناع سوادي ان يأتي معهم‘ مقابل مبلغ يحدده بعد ما عرفوا في الصباح انه قد عثر قبل يومين على السوار الذهبي الذي فقده جودة رحمه الله منذ اربعين عاما!! مخفيا نائما مع برادات الذهب الناعمة في تراب البالوعة القديمة ‘ التابعة لقيصرية باب الشيخ ببغداد (والقيصرية: هي مجموعة محال تجارية متقابلة تبنى تحت سقف واحد يكون لها مدخل ومخرج واحد)
والتي لن يروها في حياتهم قط ‘ و كانت ملامحها قد اخفتها السنين ولم تعد هناك محلات للصياغة وكان هدفهم البحث في البالوعات القديمة والمتروكة، حيث كانت مجرى لمياه القيصرية ولا يعرف خريطتها سوى سوادي‘ فهو عندما كان طفلا في سن العاشرة كان يشتغل مع قريبه جودة ليتعلم حرفة الصياغة منذ اربعون عاما مضت وهو الان ابن الخمسون عاما نحيف الجسم قوي العظم متوسط الطول ؛ له صفة قل من يتمتع بها وهي براعته في نقد الاشخاص واقناع الاخرين عن طريق الحلفان بذكر اسماء المتوفين من جماعة الشخص الذي يحادثه ويمطره بوابل من الادعية والرحمة على موتاه تجعل الشخص لا يفلت من تلبية طلب جاء به سوادي او مناقشة اراد بها اقناع الاخرين بأفكاره.
كان سوادي يسكن هو وزوجته واولاده الاربعة في بيت بسيط، وكان قد علق على جدار حجرة الجلوس صور ( المتوفين من اللذين احبهم شيوخا وشبابا ‘صفهم بشكل يدعوا للاحترام وجعلهم شهود على كلامه حينما يأتيه الضيوف)
في هذه الليلة كان الهدوء سيد الموقف والمكان خال من المارة وملازم حسن مأمور مركز الشرطة في خفارته ... كان سوادي يعرفه و قد استأذنه- بانه سوف يقوم بتنظيف بالوعة قديمة في جنح الليل في ذلك المكان القديم خوفا من الحرج لا غير فالمكان كان متروك وليس هناك أي مسائلة قانونية، وهديته محفوظة فلا داعي للقلق.
كان القمر قد اعتلى ضوئه الفضي والممزوج بسواد الليل واللآلئ زينت ابراجها المعلقة في السماء الصافية وعكست بياض شعر سوادي المموج والمعت هضبات الكبر التي بدأت تحيط بعينيه و وجوه الشباب السته اللذين اتوا معه ولونتهم بلون برونزي مزج سمرة وجوههم بضوء القمر..
-وقف سوادي في وسط الشباب وهو يرتدي قميص اصفر اللون وبنطلون اخضر يتوسط خصره حزام عريض ‘ وقد اصطفوا كالهلال خلفه ووجوههم باتجاه اطلال القيصرية وكانه الجنرال غرات سياني وهو يؤشر الى مواقع اختباء عمر المختار وثواره في منطقة الجبل الاخضر .
-كانت يده اليسرى تتوسط خصره واليمنى يشير فيها بسبابته ملوحا الى جهة اليمين والشباب واقفين فكبيرهم كان لا يتجاوز العشرون عاما متحمسين ماسكين معاولهم ومساحيهم ولفائف اكياس البلاستك السوداء ليملوا بها صيدهم لاعقين شفتهم العليا بلسانهم وكأنهم شموا رائحة الكنز الذي حدد مكانه سوادي ببراعة فاقت براعة كولمبس في اكتشاف القارة الجديدة عن طريق الصدفة . بالنسبة لسوادي لن تكن صدفة بل خطط للموضوع واستحضر كل ذاكرته ودهائه. ،
-قال سوادي وبثقة : يا شباب في هذا الاتجاه كان محل المرحوم ابو عادل حيث: كان رجلا طيب القلب جميل الوجه له عينين رماديتين تميلان للزرقة ولكن الرجل كان دائما يترك محله لفض نزاع المتخاصمين من اقربائه فهو كما يسمى في العرف العشائري( فريضة) اهتم بحل مشاكل الناس اكثر من رزق عائلته وفي كل يوم كان جاهزا بكوفيته(الغترة) البيضاء وعليها عقاله الاسود مرتديا الجلباب(الدشداشة) البيضاء النظيفة معلقا عباءته العربية خلفه فكان دائما جاهز عند الطلب وبدون مقابل... وجاره وابن عمه ابو عبادي رجل اسمر جاحظ المعالم طويل القامة‘ تأثر بالسياسة واصبح متهما بالشيوعية فكان بين فترة واخرى يؤخذ الى المعتقل.. ولا يخرج منه الا بفترات متباعدة و واحدة منها وصلت سنتين ويقال والله اعلم ان ابنه عبادي كان يفتح المحل خلسة من رجال الامن ليشتغل به ليعيل امه واخوته.؛ وقبالهم كانت محلات جهلت اسمائهم وبين المحلين والمحلات المقابلة توجد بالوعة وانا سأدلكم عليها .
- الان: من يدفع منكم مبلغا خمسون الف دينار سأدله على البالوعة؟.. استنكر البعض وقالوا: يعني تطلب منا ما يعادل مثقال من الذهب الخالص‘ لمكانين كانا صاحبيه غير متواجدين بهما، بينما راح اثنان من الشباب يبحثان على عجالة في جيوبهم وهم يعرضون عليه ثلاثون الفا.. وعلى خاطر ارواح الطيبون اللذين عاشوا هنا‘ وقابلهم سوادي بالرحمة لا سمائهم وعلى خاطرهم؛ سوف يجعلهم راضين على الجميع بان يعطوه اربعين الف.. وبعد الحلفان الذي كاد لا ينتهي حتى طلوع الفجر اقتنع اثنان منهم واعطوه كل ما يملكون سبعة وثلاثون الفا.. وراح يدلهم على المكان.. بعد ان استلم المبلغ وعده تحت ضوء القمر..
- وعاد مسهبا في كلامه :واما جهة اليسار حيث محل المرحوم جوده الشاب الجميل الوجه والحلو الطول ذو العينيين السوداويتين المنتفختين والشعر الاسود الفاحم المقلوب الى الخلف ..وكان يكنى له انور وجدي‘ فزبائنه من السيدات اللواتي كن يستأنسن بجماله وطيب كلامه‘ وقباله محلات اخرون نسيت اسمائهم ضرب جبينه براحة يده اليمنى (لعنة الله على الشيطان) قالها: سوادي ثم سكت.. وبعجالة استطرد قائلا :هذا المكان ابيع بالوعته بمائة الف دينار؟‘ احتج الباقون وقالوا: هذا استغلال فنحن بالكاد وحسب تقديراتنا: حتى لو اخذناه بالكاد ان نصل الى هذا المبلغ بعد الاشتغال به وخصوصا انك قد اشتغلت به كما تدعي قبل يومين وحصلت على السوار والذهب..استنكر سوادي كلامهم وقال: انتم غشم وهل تعرفون ان جودة ومن قابله من المحلات كانوا لا يرجعون الى بيوتهم الى بعد مغيب الشمس بساعة وهذا يدل على سوقهم الماشي وبين اخذ وجذب استقر الحال بدفع سبعون الف دينار .
- يا لها من ليلة جميلة قالها: سوادي مائة وسبعة الف دينار قبلها ولصقها على جبينه ودسها في جيبه ، وكله ثقة وامل بان الشباب سوف يدعون له بالخير .
جلس القرفصاء يتابعهم ويرشدهم ولسانه يرش عليهم بالخير والبركة والترحم للمتوفين ويقول نحن جميعا اقارب ورزقي هو رزقكم
. –سحبوا الشباب بمعاولهم ومساحيهم تراب الماضي وكلهم امل بانهم سيظفرون بكنز وان اجدادهم لن ينسوهم في زمن القحط والحصار...
فجأة!! ساد الهدوء في الغرفة‘ ثم اعتلاه صوت الشخير ‘ وراح أنهر يقول: لا تنام يا جدي اكمل لي القصة... هل عثروا على الكنز؟

جمال حكمت عبيد

 

Last modified on الأحد, 05 نيسان/أبريل 2015

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي