wrapper

ذكريات لاجئ عراقي/قصة قصيرة
لحظة وداع


بعد مخاض دام اربعين عاماً... كانت الحقيبتان المركونتان قرب باب حجرة الضيوف؛ تشكل عائقا لمرور إخوته وأخواته وبعض من أصدقائه وأقربائه؛ جميعهم جاءوا يودعون فراتا ً؛ متمنين له السلامة والتوفيق... في رحلة اللاعودة ! رحلة البحث عن وطن آخر ! بعد ان جفت في بلده ينابيع المياه العذبة و فقدت الانهار وشاحها الازرق واصبحت جدباء عاريةًً كاشفةًً اسرارها؛ وضفافها باتت مزابل تعبث بها الكلاب والقطط السائبة والنباشين ؛..
- صدى طنينٍ ملأ اذنيه وسخونة تعالت بها ذبذبات مختلفة من اصوات المودعين والمليئة بالنصائح والدعاء لسندبادهم، وأحاطت عيناه غشاوة فشلت في اخفاء قاعهما المتزين بمرجانة حمراء.. ورأسه يتحرك بانسيابية كرأس دمية متأرجحاً يميناً وتارةً شمالًاً مجاملاً هذا ومبتسماً لذاك وطرفا عينيه منصبان نحو الركن البعيد حيث اطفاله الثلاثة ابنته وولديه الواقفين بجانب الباب، فكبيرهم عمره 7 سنين، وكانت وجوههم حائرة وعيونهم تتفحص هذا الجمع الذي حظى به اليوم والدهم. - كان وفي لحظات انشغال المودعين عنه يذهب مسرعاً الى حجرة نومه لا يعرف ما يقوم به !

 


- كان يفرفر كالطير المذبوح في غرفته، ثم يستقر واقفاً امام المرآة.. ويرى وجهاً خفتَ ضوءه القمري مع اول خيوط الصبح ؛ يحاكي نفسه هل: هذا فرات؟! هل انا: اسم على مسمى- كما كان يكنى لي ايام دراستي الجامعية- وحتى قبل اسبوع. كيف أكون فراتاً وملامحي بدأت تفقد عذوبتها- وفي كل مرة كان يسرق نفسه من مودعيه ويقف امام المرآة ..وفي كل لحظة استغراق خاطفة يرى وجها غير وجهه، ويرى قامةً تقصر وتقصر حتى اذا طال النهارتكاد تصل الى الحافة السفلى لاطار المرآة الخشبي.. وكان كلما خرج من غرفة استقبال المودعين تلاحقه زوجته ..التي كانت مهمومة بمجاملة النساء المتواجدات وفي كل مرة كانت تفتعل عذراً لهنّ بانه قد نده عليها.. وعيناها كانتا هذا اليوم ذابلةً وشعرها لم تصففه بل اكتفت بلملمته الى الخلف وقرصته بحلقة مطاطية.., اما امه فكانت لآخر لحظة غير مقتنعة بهذه الرحلة وبترك زوجته واطفاله, ربما اكتفت بقدر سلامته وسلامة اخوته من الحروب التي ابتلى بها البلد , اما السفر والهجرة لم يكن له عنوان عندها ولا عند غالبية الامهات والاباء العراقيين.
- وقف شاكر عند باب حجرة الضيوف وهو صديق طفولته وجاره وكان قد فقد احدى طرفيه في الحرب العراقية الايرانية وحاز على سيارة المعوقين. صاح شاكر وبصوت حزين منادياً :فرات ..فرات.. السيارة جاهزة نهض فرات بسرعة كالمقاتل الذي اراد الهروب من ساحة المعركة، ونهض جميع المودعين بحركة لا ارادية وكأنهم في مسرحية شارفت على نهايةِ فصلها الأخير، واخذ الجميع الواحد تلو الآخر يعيدون تقبيله ويكررون امنياتهم ودعائهم له، وهو هامداً جامداً وكأنه صفحة من كتاب التشريفات فتحت لاِستلام تواقيع المهنئين أو المعزين على خده.
- ركض بسرعة حيث اطفاله واقفين ، وحضنهم وأخذ يشم بهم كأم الجراء بعد الولادة؛ وكانوا قد هموا بالبكاء بعد ما رأوا المودعين يبكون.
- عيناه المحمرتان ترقرقتا بدموعهماوكانتا كقرص الشمس في الشفق, ودموع زوجته وبكائها وبكائه الصامت‘ وعينا امه الحسيرتان المختبئتان خلف العدسات السميكة لنظاراتها كلها عناوين للوداع ..
- قبّلَ زوجته والتفتَ الى امه وقبل يدها وانتفض قائلاً: ادعي لي يا امي ؟ وسحب نفسه مسرعاً الى الخارج غير ملتفت ٍ ،وجلس في سيارة شاكر، حيث كان ينتظره وقال لصديقه شاكر :هل الحقائب في صندوق السيارة ؟ أجاب شاكر: نعم انها في الخلف . ثم قال: وبصوت باهت مخنوق، لنذهب: وأدارَ شاكر محرك سيارته وانطلقَ.. واذا برشة ماءٍ أمطرت خلف السيارة تقليداً لضمان سلامة الوصول.
.جمال حكمت عبيد

Last modified on الأربعاء, 18 آذار/مارس 2015

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي