wrapper

 هناك وقائع واحداث تمر علينا ونعيش احداثها ..ولكن لايصدقها البعض حينما تكتب على شكل قصه 


سويتي و تويتي

- قال تحسين ما رأيك يا سوسن (سويتي وتويتي)!! لقد اخترته عنواناً لقصتي التي كتبتها في قصاصات ورق ما تزال في جيبي افكر في نشرها يوماً ما. كان يتحدث لها وهما جالسان في ركن هادئ من المقهى القريب على محطة القطارات الرئيسية في باريس حيث جاءت لتوديعه وكان عليه ان ينتظر ساعتين لحين مجيء القطار الذي سوف يعيده الى هولندا حيث يعيش...
سوسن فتاة جميلة في عمر الثلاثين عاما فنانة تشكيلية تعشق الرسم والشعر، كان قد تعرف عليها قبل عشرِسنين في بغداد وفي حفلة عائلية وكيف كانت حينها تعرض فنها وشعرها الجميل وهي في ذلك العمر.
قالت سوسن اكمل يا عمي لقد شدني العنوان
قال تحسين : حقاً ؟ ومد يده الى جيبه واخرج قصاصات الورق منه واستطرد قائلا: .
- خذها فهي قد لا تعيش مساء اليوم!!.

 


- كلمات قالها الطبيب البيطري ل( رام) بصوت حزين وهو يعيد سويتي الى قفصها؛ وصدى صوته يتردد في غرفة الجلوس الصغيرة، بأثاثها القديم ،ومصباحها الأصفر المعلق على السقف وهو يسقط نوره الكئيب على القفص الفضي الموجود فوق طاولة المائدة المستديرة الصغيرة والبنية اللون ؛ وفي تلك الليلة الخريفية حيث كان رام جالساً امام القفص يسرق النظر الى(سويتي) عصفورته الجميلة-تحتضر وهي واقفة فوق الغصن البني الذي يتوسط القفص خافضةً رأسها - كأنها استحضرت روح حبيبها ( تويتي) الذي فارقته قبل شهر وفي اواخر ايام الصيف الفائت ؛ بحادث اعتقد رام انه كان السبب فيه.
- كان رام ينظر اليّها وخلجات نفسه تندفع من صدره وهو يتهكم بكلمات وبصوت خفيف قائلاً :كيف انسى تلك الظهيرة ؟ ،ثم يسكت غارقاً بسرحانه وهو ينظر اليها متذكراً ذلك اليوم الذي ظهرت شمسه وهي تفرش بساطها الأبيض فوق حشيش حديقة منزله وعلى بعض ورود الصيف الباقية والعالقة على شجيراتها ..وهو جالسا على الكرسي الخشبي القديم ينظر إلى السماء متأملاً خيوط السحابات البيضاء، التي تنفث من خلف الطائرات اللامعة في طريق السماء وهي تعطي اشكالاً من الوجوه والجبال تتلاشى كسحب غمام كلما ابتعدت الطائرة عنها ؛ وتذكر تلك اللحظة التي دفعته لجلب قفص الحبيبين من داخل المنزل وكيف وضعه فوق الطاولة المركونة بجانب سياج نبات الياس الذي كان يفصل بيته و بيت جاره الهولندي لكي يشاهناك 

ركاه متعة التأمل بالطبيعة ؛وقد زاد جمالها انغام تغريدهما الذي كان يسعده مع انغام فيروز وعلبة البيرة الهولندية الباردة.
وشاء القدر في تلك الساعة السوداء وفي غفلة ما، رأى رام تويتي يغرد لحبيبته وهو خارج القفص وكأنه اراد ان يختبر مدى حبها له اذا خرج من حياتها!!، وكادت ان تجن بصراخها عليه وهي كالمجنونة تقفز يمينا وشمالا ولا تعرف كيف تصله، هرع رام من مكانه مسرعا ًمحاولاً ارجاعه الى القفص ولكن و بحركة انسيابية خفيفة منه أفلت من يده كانه زئبق و حاول ان يعلو فوق القفص ويهرب من قبضة رام وفي هذه الأثناء خرج نمر من بين سيقان الياس ،فجأةٍ وارتفع الى نحو مترين عن الأرض وخطف تويتي!! ، كانت قطة جاره الهولندي ،السوداء اللون اللعينة التي طالما كان رام يطعمها حين يسافرجاره ويتركها له في مخزن حديقته الخلفية.. ركض رام كالمجنون حافي القدمين يتعقبها وهي تركض في الشارع قابضة برقبة تويتي بين فكيها؛ وعندما دنا منها رمته ميتاً. وهربت...

- كان العصفوران صديقيْ وحدته ،يملآن عليه البيت حباً واحساساً بجمال الوانهما الساحرة ؛ وهو يعيش في هولندا مغتربا ً منذ عشر سنوات واصبح في الرابعة والثلاثين من عمره وليس له شريكة او حبيبة يبادلها احساسه وعواطفه .
- كانت سويتي تملك ريشاً اصفر اللون مائلاً للخضرة وكان الطوق الاخضر الذي يحيط برقبتها كأنه عقد من الياقوت المصفوف أحاطته حبات العقيق الأسود التي طرزت ريشها الأصفر لتكون هديه حب صاغها الله وأراد برؤيتها إسعاد عباده من البشر ؛أما تويتي فهو اللعوب الحرك ذو لون البحر الصافي بزرقته وكان فوق رأسه وبطنه رقعة من الريش الأبيض جعلت منه ناسكاً متصوفاً وهو يهز برأسه ورقبته بحركات كأمواج البحر الهائج ؛واحياناً كان يقوم بحركات بهلوانية كسبت ود وثقة صديقته سويتي بيومين فقط حينما كان يأخذها قرب المنهل الصغير وعند مكان الحلقة الدائرية المثبتة على جدار القفص الفضي. فكان تويتي يتسلق الأرجوحة بعد ان يمر من بين الحلقة وينزل منها بنفس الطريقة بحركات رشيقة من جسمه المغزلي. - وكم حاولت سويتي ولعدة مرات فعلها وتقليده ولكن الفشل كان حليفها ..وكل ملتقاهما كان هنا قرب الأرجوحة فكلما يعبر الحلقة تكافئه بقبلة بمنقارها الصغير وقد يشتد الاشتياق احيانا فتخرج لسانها ويخرج لسانه ويشتبك اللسانان ويلتويان كأنهما ذيليْ سحليتين في حالة الجماع ؛ وقد يثور الامر بهيجان بحر دمائه السائرة في الخلجان الصغيرة والضيقة وفي عروقه الرفيعة وتجعله يقفز خلفها وكانه زورق عائم فوق بحر حبهما الهائج وهو محاولاً التجذيف السريع وهي ثابتة تسانده بشبقها لكي يصلا سوية الى بر الأمان ..وكانا لا يناما الليل اِلا والتصق جنبيهما ببعضهما وكأن دفئ المشاعر والأحاسيس يسري بجسديهما، وهما يحلمان بأحلام تطربها اصوات دقات قلبيهما الصغيرين وكأنهما يغفيان على لحن الخلود.
- اخفى رام جثة تويتي عنها وقام بإدخال القفص الى داخل البيت وهي بداخله وصراخها وحركاتها قلبت كل ما في القفص من زينة وكأنه الزلزال قد حل به وراح بعض من ريشها الجميل يملأ اسفل القفص والبعض الاخر يتأرجح في الهواء نافذاً من فتحات القفص وكأنها تمزق ثوبها..
- حمله رام بيديه وهو جثة متيبسة وسار به هائماً حزيناً في اتجاه الطريق الزراعي حيث دفنه هناك .
حاول رام في اليوم الثاني ان يكسر وحدتها ظنا منه انها ومهما يكن فهي حيوان لا يفقه عظمة هذا المصاب ؛ و قد جلب لها صديقاً جديداً علّها تتلهى به ؛ولكن ولمدة اسبوع كان العصفور الجديد قد حاول ان يكسب ودها واستعمل كل الطرق والحيل الذكورية فلم يفلح ويأس و اختلى بنفسه عند العمود العلوي للقفص غير آبه بها ... وخصوصاً هذه الليلة فقد شم رائحة سكرات الموت والاحتضار منها ولمْ ينزل من مكانه طوال اليوم، كان قد تركها بخلوتها احتراماً لها فقد اقتنع منذ الأيام الأولى بانها وفية لحبيبها الاول، واحترم ارادتها بعدم تقبلها له.. كان رام ينظر اليها وهي في داخل قفصها لا تطرق عينها بعينيه، وقلبها يلتعج لفراق حبيبها وهي تطوي راسها المكور الاصفر على صدرها مخفية عقد الياقوت وحبات العقيق السوداء ...وكأنها ارادت ان تخفي جميع الحلي التي كانت ترتديها والتي طالما تزينت بها رقبتها تعبيرا عن حزنها وحدادها الذي صنعته لنفسها بعد موت حبيبها تويتي.

- كانت عتمة الليل قد اشتدت والسماء اخذت تزدحم بالغيوم السوداء التي جاءت تعزي روحها: نائحة بصوت الرعد ودموع السماء التي عزفت لحنها الجنائزي على وقع سمفونية المطر الساقط تتخلله صرخات الرعد وكأن الله يراها.
- كانت تويتي وهي في آخر انفاسها تخطو بقدميها خطوات ثقيلة وقودها الذكريات والحنين وهي تتجه الى مكان المنهل وحلقة اللعب التي وصلت اليها بعد ان خارت قواها.. وحاولت ادخال راسها في الحلقة التي كان يلهو بها حبيبها وهي تترنح؛ وكأنها استعدت للقاء روحه وروحها ونظرت الى رام وكبلته بنظرة ٍلن ينساها وسقطت هاوية الى اسفل القفص دون حراك.
- أخذ رام يلوم نفسه... ويحلل نظرات سويتي ألأخيرة له .. وهي لا تفارق خياله.. وكأنها اسئلة احتار ان يجد لها اجوبة وهو يقول: هل كانت تلومني على ذلك اليوم المشؤوم ،ام تلومني لأني اهنتها وجرحت كرامتها وكبريائها، حين فرضت عليها الصديق الجديد وهي في اليوم الأول من حدادها على حبيبها.
توقف تحسين عن الكلام وهو ينظر إلى ساعته وبعد دقيقة صمت انتبهت سوسن بعد سرحان وقالت وهي حبيسة الأنفاس وقد اعتلتها تنهيدة..ودمعة انهمرت من عينها - وقالت بصوت خفيف باهت وما المطلوب مني يا عمي ؟.
- قال ألا تصلح ان تكون قصة حب في عيد الحب عنوانها سويتي وتويتي؟، ألا تستحق ان ترسميهما بريشتك الجميلة !! ليكونا صورة ورمزاً شعرياً للحب والوفاء؟؛ يتغنى به الآخرين عنوانها سويتي وتويتي .
- نظر إلى ساعته مرة اخرى وقال لها لقد اقترب موعد سفري وداعا ًيا ابنتي سأكون بانتظار ردك؟؛ اذا عجبتك قصتي...
جمال حكمت عبيد 

Last modified on الأربعاء, 18 آذار/مارس 2015

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي