wrapper

عرس  فوق السطوح

لاحت من بعيد بشائر الفرح وقدوم العريسان ، بسماع صدى ضجيج ابواق سيارات زفّة العرس، وعزف الفرقة الشعبية بطبلها وبوقها النحاسي وهي تقترب من أهل العريس. 

ويخرج الأطفال من بيوتهم راكضين، تاركين ألعابهم، مسرعين خلف أمهاتهم... والفتيات العذارى خرجنّ مسرعات؛ ليلحقنّ الركب المتوقف أمام منزل( أبو يحيى )...aros

ظهر يحيى يترجل عن السيارة المرصعة بالورود، مرتدياً بدلةً سوداء اللون وضع على صدره وردة حمراء... يمسك بيد عروسه وقد بانت لَكأنها لؤلؤة محسورة ما بين طيات فستانها الأبيض وبرقعها المخملي، الذي أخفى وجهها القمري المشع خجلاً مشوباً بالزهو أمام نساء الحي، اللاتي ابدينّ مشاركتهنّ بالفرح، يتزاحمن مِشرأبات الاعناق إلى العروس ،يتطلعنّ اليها ، ويتهامسنّ مصفّقات على أنغام الموسيقى الشعبية (شايف خير ومستاهلهه)... 

وقف العروسان عند عتبة باب الدار، توسطها أخوه وهو جالس القرفصاء، يضع على الأرض (صينية العرس)* ، كان يمسك بيده ديكاً ويطلب من العروس مد قدمها اليمنى قبل دخول الدار؛ وتشرع العروس بلملمة اذيال ثوب زفافها الطويلة حتى تظهر قدمها وتمدها امامه متكأه على كتف عريسها. ويقوم أخيه( بذبح الديك)* وتسيل قطرات الدم فوق قدمها(كان هذا تقليدا اجتماعياً) وتنطلق بعدها زغاريد النساء( هلهلة) مع أنغام الموسيقى الشعبية، وقطع االحلوى الصغيرة (الحامض حلو..والجكليت) تتناثر كالمطر فوق رأس العروسين والحاضرين، وينحني الاطفال متزاحمين بين سيقان الواقفين، يلتقطون قطع الحلوى من الأرض، يبحثون عنها بين الاقدام وكأنهم دجاج يسعى لالتقاط حبات القمح... 

دخل العروسان رواق الدار أحاط بهما قارع الطبل ونافخ البوق ، فجأة صاح اخوه بصوتٍ عالٍ وهو يرفع يده، ماسكاً بها ورقة نقدية ويصيح بها (شوباش)* من أخو العريس، يلتقط النقود عازف البوق ويضعها في جيبه حانياً له رأسه ويعود ينفخ في بوقه بقوة ... ثم يتكرر (الشوباش) للفرقة الشعبية من بعض الواقفين من أهله حتى ينتهي العزف وترحل الفرقة الشعبية.

ويدخل العروسان صالة الجلوس ويجلسان على وقع الزغاريد والأغاني الجميلة، تحيطهما اخوات العروسة وأمها... كانت النسوة يصدحن ّيغنينّ للعروسين (هاي الرادهه... و هاي التمناها...بنت الشيخ لأبن الشيخ ...جبناها)...

 يجد يحيى نفسه متحرجاً وسط النسوة يتلفت يميناً وشمالاً...قام مستأذناً عروسه كي تأخذ النساء راحتهن؛ ليحلى لهنّ الرقص والغناء. وانسحب وبصعوبة يشق طريقه ليخرج من الصالة، وكل ما وقعت عيناه على امرأة زغردت(هلهلت) بوجهه. 

  خرج من الصالة بصعوبة يبحث عن أبيه، وعند المسلك اصطدم بقريباته...يعملنّ في خدمة العرس وكأنهن خلية نحل وقد انحسر الكثير منهنّ في المطبخ يصنعنّ عشاء الحفلة...

سأل أمه عن أبيه ؟؟؟

 قالت له: انه في السطح مع الشباب...

 صعد إلى السطح حيث كانت الشمس قد مالت إلى المغيب... رآه واقفاً مع الشباب من أولاد عمومته وأخواله، وكانوا قد فرشوا السطح بالبسط الجميلة الملونة والسجاد.

حانت من أبيه  التفاتة فألفاه مرتبكاً:

- انها حفلة عرس فوق السطح، ثلاث ساعات وننهي الحفل بتقديم العشاء، انظر كيف أصبح السطح مفروشاً ليسع ستين شخصاً!!! لا تخف يا ولدي، كن معي ودع القلق عنك وتمتع بيومك وسأريك ما كنّا نعمله في السابق؟؟؟.

كان يحيى غير مقتنع بفكرة اقامة حفلة العرس فوق السطح معتبرها تقليداً شعبياً قديماً اختفى بظهور قاعات الحفلات، وكان قد سمع بعض القصص عنه، منها السارة ومنها من كانت تنتهي بعِراك؛ لكن الظروف أجبرته على قبول الفكرة بعد ان صعب على أهله حجز صالة حفل له؛ حين تغير موعد اجازة زواجه لظروف قتالية خاصة حدثت له و لوحدته العسكرية المرابطة في احدى جبهات القتال في الحرب مع ايران ...لكن أبوه أراد أن لا يضيع فرحة زواج ابنه وقام بإقناع أهل العروس بأن يقيم حفلة العرس في السطح!!! وبعد الحاح وتبادل الخواطر اقتنعت العروس وأهلها بإقامة الحفلة فوق السطح؛ لكونه لا يملك سوى عشرة ايام اجازة العرس ثم يعود ليلتحق في جبهة القتال .  

غربت شمس الصيف الحارقة وأخذ الليل يطرد الحر اللاهب بهبوب نسائمه الطيبة وهي تنعش الأنفاس بصفوة السماء المبتهجة بزغاريد النساء والفتيات اللاتي يمرحن بغنجهن ورقصهن على غناء احدى النسوة وهي تردد :

((ذبلي من الشيشة مي ورد...آه يا عيني و يا عيني.. وكل البله من عيني.. لوما الكحل بعيني.. جان العبت طوب وفرس.. وتعود ترد :ذبلي من الشيشة.. والنساء يرددن خلفها كلمة مي ورد)).

 حتى الحيطان كانت تهتز وكأنها ترقص معهنّ وتشاركهن فرحتهن.

بدأ المدعوون من الرجال يتقاطرون على السطح،  وكان أخوه واقفاً في الرواق يستقبل الحضور من المدعوين ويوصلهم إلى أعلى السطح، يتلقاهم أبوه بالترحيب، تاركاً الخيار لهم في الجلوس. 

امتلأ السطح الواسع بالمدعوين، ولم يعد هناك من الأماكن الفارغة، غالبيتهم كانوا من اقربائه واقرباء العروس... ومنهم من عرفه يحي ومنهم من كان وجهه مألوفاً، لكنه يجهل أسمه، بعضهم كان يرتدي زيّه التقليدي الجلباب(الدشداشة) والغترة والعقال، والبعض الاخر جاء بالزي المدني (السترة والبنطلون).

كان الرجال يتبادلون التحايا فيما بينهم ، بعضها حارة لكون القادم كان بعيداً، وبعضها باردة فالقادم جار عمل.

كان يحيى قلقاً، خائفاً من أي طارئ قد  يحدث ويسيء إلى الحفلة ويعكّر يوم زواجه، وخصوصاً انه يخاف احد أبناء عمومته حيث صعب عليه منعه من القدوم والذي عرف عنه الكثير من المشاكسات اثناء شربه للخمر، وتساءل في نفسه ترى ماذا سيكون لو شرب الخمر ابن عمي حتى الثمالة وعمل مشاجرة، فالبيت مكتظ بالناس وضاق بالأعداد الكثيرة... لكنه يعود لصحوه ويهبط مسرعاً إلى الصالة يسرق النظر إلى عروسه، يبتسم لها متأملاً راجياً بالدعاء في نفسه أن تنتهي الحفلة على خير دون عارض أو مشكلة.

قام الشباب المتطوعين في خدمة العرس بتقديم صحون المزّة للضيوف ((من الباقلاء المطبوخة والحمص المطبوخ ...لبلبي)).

ثم تلاها توزيع الخمر بأنواعه..

لحظات وامتلأت الكؤوس بالخمر وارتفعت بأيادي شاربيها وهم يهتفون  نخب العريس...امتصت الشفاه الخمرة من الكؤوس وامتلأت الأفواه بالمزّة، وتكرر النخب مرة أخرى حتى سخنت رؤوس شاربيها ،وبانت عليهم علامات الراحة والاسترخاء. 

- صوت خفيف يحمل أنغام الطور (الصبي)*، كان يشدو بكلمات الحنين (آه يا ويلي..آه يا ويلي)... يخرج من حنجرة رجل  ضعيف البنية طويل الجذع أسمر البشرة ،دلّت ملامحه على عمره الخمسيني أو اكثر، كان الرجل جالساً متربعاً في وسط  السطر الاول، يرتدي دشداشة بيضاء ويعتمر الغترة والعقال وقد حسر في باطن كفيه مسبحة كان يفرك بها براحتيه وهو يغني وينود برأسه...يطلق صوتاً حزيناً مبحوحاً فيه لهجة جنوبية، تناقل نسيم الهواء الهادئ صوته إلى مسامع الجالسين في السطح حتى انتشر عبقه العذب فأوقفهم عن الحديث؛  كمن دعاهم لبدء الحفلة بصوته، ناصتون إلى صوته ورؤوسهم تترنح  يميناً وشمالاً اعجاباً وانسجاماً بما يسمعوه..

ثم يعلوا صوت المنشد طرباً بعد أن أحس إن الجالسين مالوا اليه وانشدّوا إلى صوته ...

وعاد يكمل مواله :

(وانتبه لك...سكنت الغرب لأجلك وأنتبه لك

ويل يا ويل..  وويلاه. 

آه يا ويلي وانتبه لك... أغط بالموت ساعة وانتبه لك...يا ويلي جَلِدْ مثل الصخر قلبك عليّه).

يسكت المنشد...

  وتصرخ اصوات اعجاب الجالسين مشوبة بالبهجة والطرب:

- الله الله ... أحسنت... تعيش يا (أبو عباس) ... ويضع أبو عباس كفه فوق رأسه ويحنيه تحية لمعجبيه.

كان أبو عباس معروفاً بصوته الشجي والجميل.

كانت بعض النسوة خرجنّ إلى الرواق بعد ان تعبنّ من الرقص والغناء في الصالة، وقد جذبهن صوت أبو عباس، كُنّ يحاولنّ سماع صوته العذب. و في كل وقفة غنائية منه تصدح زغاريدهن..

 اما سطوح الجيران كانت تسرق النظر بساكنيها مستمتعين على ما تنقله نسائم الهواء من صوت أبو عباس..

ثم صدحت حنجرته الشجية (اغنية مهضومة شدات الورد)* مغنياً:

مهضومة شدات الورد يا حمرة الشفة

ترسن چفافيچن حسن لو مرت الزفة 

ليل وگمر ونجوم 

والهيل ما مفطوم 

والروح ما تحمل ثگل (سگم) ترفة 

***

يسكت  أبو عباس عن الغناء... يمد يده نحو كأسه ويتناوله...

وتقرع كؤوس الخمر المترعة صادحة بين الأيادي، وهم يرددون نخب العروسين، تتصاعد منهم صيحات الاستحسان طالبين منه الغناء... 

- يترنم أبو عباس بصوته الشجي على ايقاع مسبحته وضربات الأصابع(طك الأصابع) من بعض الرجال وقد طربهم بغنائه العذب.

انقضت ثلاث ساعات من الطرب والغناء الجميل ، استمتع فيها الحاضرين وبانت البهجة على وجوههم  ، ولم يشعر احداً بالوقت سوى يحيى، كان يتصفح الوجوه حيث أوجس القلق قلبه خوفاً حينما رأى ابن عمه قد بدأ يرفع صوته ينادي: أزيدوا لي كأسي لقد نفذت خمرتي . 

دارت صحون العشاء بين الحاضرين... وإذا ابن عمه يصيح بصوتٍ عالٍ مترنح بانت الثمالة فيه وانتبه الحاضرون اليه :

- لما هذه العجالة؟؟

- ترمون علينا العشاء كي تطردونا؟؟؟

- هذا عيب... والله عيب عليكم.. وماذا نقول للناس !!

- هاتوا لنا الخمر... ما زال الليل في أوله....

ابتسم له بعض من عرفه... وأتى اليه عمّه أبو يحيى مسرعاً ...وقال له :

- لا تتعجل سنكمل الحفلة بعد العشاء. 

ساد الصمت وتوقف الكلام وارتفع صوت الشخير!!! وصاح أنهر: أرجوك يا جدي لا تنام حتى تكمل لي القصة..

 

جمال حكمت عبيد

(ذبح الديك)* عادة تستخدمها بعض المجتمعات عند الزواج يراد بها طرد الشر 

(صينية العرس)* تقليد اجتماعي قديم  يستخدمه الكثير من عوائل الصابئة المندائيين ويفضل ان تكون الصينية محاكة من سعف النخيل وتسمى(طُبك) يوضع فيها الورد  وحفنة من الشعير  مع سكين حديدية وميدالية من الذهب  الخاص مع سلسلتها... بجانبها( طاسّ ) فيها ماء تركلها العروس بقدمها عند دخولها دار العريس وتعبر الصينية ثم يقوم المسؤول على هذا وخصوصا من النساء بسحب السكين وميدالية الذهب ورمي الورد والشعير خارج عتبة الدار ليذهب الشر وينعم الدار بقدوم العروس بالخير والرزق . 

شوباش* كلمة دخيلة لم اجد لها مصدر وتسمى نقوط  تستخدم للتشجيع والدعم  في الافراح ويكون الدعم عادة بالعملة النقدية

الطور الصبي*: الطور هو الطريقة التي يغنى به الغناء الريفي الذي ازدهر في جنوب العراق واهواره 

والطور الصبي( بضم الصاد) ينسب الى طائفة الصابئة المندائية وهو من اشهر اطوار الغناء الشعبي والذي يتميز بنغمته الحزينة وطابعه الشجن. وقد سمي بهذا الاسم نسبة الى اول من غناه وهو رجلاً صابئياً مندائياً يدعى"رومي  بن سبهان الشعلان البريجي" وهو من طائفة الصابئة المندائيين الساكنين في منطقة سوق الشيوخ في مدينة الناصرية في العراق  ..وهناك رواية في ظهوره.

 اغنية (مهضومة شدات الورد ياحمرة الشفة )* كلمات الشاعر البصري ذياب كزار والحان الموسيقار الكبير محمد جواد اموري وغناء المطرب   الراحل ستار جبار ونيسه.

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي