wrapper

سنة سعيدة وأُمنيات

لحظات الشعور بالفرح ليس لها موعد ..

في ليلة رأس السنة الميلادية تفجرت مشاعره وأحاطته الرغبة في الخروج.. و ترك غرفته وذهب وحيداً إلى مركز المدينة. يمشي على ضوء القمر.. يخط بثقل قدميّه على سجادة الثلج التي فرشت بها الأرصفة والطرقات .. تاركاً وراءه رسمَ اقدامه شاهداً على ما حملته خطواته من آلام حياته!.

أراد في تلك الليلة أن يخرج من طقوس عزلته التي باتت تلازمه منذ بداية غربته وعلى أمل اللقاء مع الفرح. لكنه صُدِم باختفاء الناس ولم يرَ البشر!! .. أين ذهبوا لا يدري؟ فهو غريب عن المكان بل عن المدينة لا بل عن الدولة كلها.. قادم من العراق يبحث عن الأمان... وبعد أن وجده؛ صار يبحث عن نفسه! وكيف سيقضي في تلك الغربة بقية أيام عمره؟.

أصابه اليأس والجزع من وحشة الطرقات المقفرة في تلك الليلة، وقوافل الذكريات أمست تتعقبه كالريح تصفر بأذنيه. وشعوره بالغربة صار يهاجم خلده ...وعادت تدور في رأسه سنوات التيه التي قضاها في وطنه. وذكرياته تتخبط في ثنايا مخيلته؛ تذكّرهُ بأهله واصدقاءه، وكيف كان يقضي في السنين الماضية تلك الليلة معهم، وكمُّ الأمنيات ينهال من افواههم لينجيهم من احداث السنين التي عصفت بهم. وفي كل سنة امنياته مكررة عنوانها نهاية الحرب. تلتها امنيات نهاية الحصار الاقتصادي وآخرها كانت امنيات انتهاء الاحتلال والحرب الطائفية في وطنه... سنون مضت بأمنيات الخلاص حتى ملّ وجزع من تلك الأعوام والأمنيات فيها، وهرب من بلده إلى أوربا طالباً اللجوء فيها.

كاد أن يعود إلى شقته الصغيرة ويستقبل السنة الجديدة فيها ليشرب كأس مرارته مع أثاثها الهرِم ونورها الأصفر الكئيب... لولا أنه قد رآى في طريقه شاباً طويل القامة أخفى الظلام والبرد ملامحه، يمسك في احدى يديه كأساً وفي الأخرى سيجارة.

قال له: أتسمح لي بسؤال ؟

اجابه الشاب: نعم

- هل تحتفلون بأعياد رأس السنه ؟

الشاب : أكيد نحتفل

- إذن: أين ناسكم هل خلت المدينة من البشر في هذا اليوم؟

أجابه :انهم يحتفلون

- أين؟

الشاب: في كل مكان

- وأين أجدهم؟

اِبتسم الشاب وقال: اِنتظرْ وستراهم بعد الساعة الثانية عشر؛ ان كنت لا تدري أين يختبؤون ؟

نظر إلى ساعته وقال:

سأحتَمل البرد وانتظر في تلك الساحة الصغيرة، المُطلة على الشارع الرئيسي .

لم يبقَ سوى نصف ساعة وتبلغ الساعة الثانية عشر ... سوف انتظر وأرى.

كانت الساحة صغيرة وتوجد على جوانب شوارعها بعض المطاعم المغلقة.

وقال في نفسه: وماذا بعد.. هل أُصَدِّق ذلك الشاب أم اذهب إلى حجرتي؟

اِختارَ البقاء وجلس على مصطبةٍ اسمنتية وخبأ رأسه بين دثاره من شدة البرد وسرح في خياله..

تك تك تك الساعة الثانية عشر...

صراخ وصياح ورعد في السماء!! وكأن بيوت الجحيم أو بيوت الرحمة قد فتحت... انها أبواب الحانات والمراقص التي لم يكن يعرف مكانها حيث كان قريباً منها.. خرج الشباب والشابات منها سكارى يتطوحون ويتبادلون القبلات فيما بينهم... اهتزت مشاعره وفرحت نفسه واختار أن يذهب إلى الحانة الركنية ودخل... وعلى الرغم من شدة برودة الجو كان لدفء المكان الصغير وصوت الموسيقى الصاخب فيه وسرعة تبدل ألوان الأضواء الساقطة على رؤوس الراقصين على دائرة مسرح الرقص. كلها عناوين تبعث الفرح والأمل في نفوسهم وهم يستقبلون العام الميلادي الجديد.

شعَرَ بالدفء واختلط عليه اللغو مع صخب الموسيقى، أمّا عيناه فلم تثبت على لون من ألوان الأضواء الساقطة على رؤوس الراقصين. أخذَه الحماس وهو ينظر اليهم وصار يهز رأسه بخفة مع صوت الموسيقى . كادت قدماه أن تنزلق نحو دائرة الرقص لكنه تذكَرَ سنين عمره وتراجع!!. جلس على كرسي عالٍ، مقعده مُدَور الشكل، واختار مكاناً ما بين البار والممر وطلب كاساً من الشراب. وقبل أن يرفعه نحو فمه سمع صوْتاً قريباً منه يناديه بصحتك، سنة سعيدة. رفع عيناه وإذا بها فتاة تسحر الناظر بعينيها الزرقاوين وبشعرها الذهبي المنسدل على اكتافها كشعاع الشمس، واجابها دون تردد سنة سعيدة.. صافحها وبسرعة البرق كما يفعل الآخرون طبعَ قبلةً على خدِها!! وأزداد نَشوة وضاعت الأفكار التي كانت تلاحقه... مضت الفتاة عنه وجاءت أخرى، وأخرى وتبادل معهنّ طبع القبلات على الخدِ .

تشجعَ وتقربَ نحو مربع الرقص.. حاول أن يُحَرك قدماه وجسمه بهدوء؛ كي يثبت انه انسان رزن يحترم سنين عمره... قابَلَته في الرقص فتاة متوسطة العمر فتشجع على أن يخرج من طقسه وأن يٌزيد في حركات جسمه. أخذته الوساوس والأفكار نحو تلك الفتاة وهو يرقص وعادت به إلى أيام الشباب وجعل من نفسه في تلك اللحظة بطَلاً!! وصار يراقصها بما مَلَكَته قِواه. يٌمسك بيدها ويسحبها وتمر من جنبه ثم تلِف حول نفسها؛ وكأنه يرقص معها رقصة التانجو الأرجنتينية بامتياز... لا يعرف كيف فعلها ولكنه أحس بأن الفتاة ِارتاحت لهذا الرقص ضناً منها انه من أمريكا اللاتينية أو اسباني ...وحمد ربه في تلك اللحظة انها لم تعرفه عربي!! كي لا تهرب منه؛ لكونه لم يتكلم بل ضلّ يرقص حتى تعبت قدماه وتشنجت وتوقف عن الرقص. انحنى اليها مبتسماً بتمتعه معها في الرقص وذهب جالساً قرب الساقي وطلب كأساً، وعيناه متجهتان صوبَ المرقص متمتعاً.. ينظر إلى تلك الفتاة الجميلة التي رقصت معه وكانت وكأنها تائهة وسط جموع الراقصين. وعاد يتأمل فيها علّها تكون فاتحة خير عليه وفأل حسِن لتبعث في صدره الأمل في السنة الجديدة. حاول جذب انتباهها بنظراته اليها رافعاً كأسه صوبها ليقول لها من بعيد في صحتك ؛ لكنها كانت منهمكة في الرقص... انتظر حتى يأس منها وافرغ كأسه في جوفه ..

سرق الانتعاش ملله، وأحس بالوقت وقد بدأ يأخذه؛ فاختار أن يكتفي بهذه الطقوس التي منحتها له الصدفة وحمل نفسه وخرج. وعند باب المرقص كان قد تجمهر الشباب اكثر من داخله. تمتع بالنظر اليهم وهم يعبثون فيما بينهم. فرحين وكأنهم من الناجين من الطوفان.. ولكل واحد منهم متعلق بصديق وصديقة متعانقين ما بينهم؛ إلاّ هو أحس في تلك اللحظة كأنه قد خرج من السفينة وحيداً...

اِبتسمَ وقال في نفسه: هذه حياتهم وهذا بلدهم فهم يستنشقون رائحة الفرح والسرور فيها، وما ليّ أنا بهم، فنسمة صغيرة أشعرتني بالدفء وهذا يكفي لمهاجر أخذه العمر بمرارة وقسوة العيش في بلده.

فجأة شعرَ بيدٍ سقطت فوق كتفه.. التفت اليها وإذا بها تلك الفتاة التي كانت تراقصه!! دعَته أن يذهب معها ..إلى أين لا يدري!! ولكنها كانت تتكلم بثمالة فلقد نالت الخمرة منها ولم تعد متوازنة.

قال لها: أين تسكنين؟

أجابته: بيتي هناك خلف محطة القطار.

قال: وأنا أسكن هناك أيضاً.. هل ترغبين في السير معي ؟

قالت: نعم.. نطَقَتها بلسانٍ ثقيلٍ؛ لكنه سمع صوتاً آخر من فتاة أخرى وهي تقول له: سنة سعيدة.. أجابها سنة سعيدة عليكِ أيضاً..

ثم قالت: لا تأخذ بكلامها مَحمل الجَد! انها صديقتي ونحن نعيش معاً في بيت واحد. وكما ترى لقد نالت الخمرة منها وجعَلَتها لا تعي لكلماتها، فأرجوك اتركها لأعيدها إلى البيت.

قال: وهو كذلك.. كما وأني اتفقت معها على ذلك.. وطريقي معكم خلف المحطة.

سارا الثلاثة معاً وقد غمرته الفرحة وهو يتبادل الحديث معهنَّ... وأحس في تلك اللحظة بانه ليس وحيداً وله اصدقاء وثقوا به.. وصلوا محطة القطار وعبروا إلى الصوب الآخر.

قالت صديقتها: اننا سنسلك هذا الطريق.

وقال لهما: وأنا سأواصل سيري.

سنة سعيدة وتصبحون على خير.

سار في طريقه وحيداً ونسى أن يوَدّع عامه هذه المرة بأمنية... فلم يعد له شيء يتمناه.

جمال حكمت عبيد

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي