wrapper

صوما ـ الصوم
الربي رافـد الريش أمه عبد الله السبتي
منشورات نهرين
نشأة الصيام وأنواعه:
12832583 1044544588921962 6910981828802370579 nالصوم من أقدم العبادات الإنسانية ومن أكثرها انتشارا ً. فلم يكد يخلو منه دين من الأديان التي أخذت بها المجتمعات، ولم تتحرر منه شعائر شعب من شعوب العالم القديمة والحديثة: جاء في شرائع الصابئين المندائيين والمجوس ( الزرادشتيين ) واليهود والبوذيين والمسيحيين والمسلمين وغيرها.
وقد اختلفت أشكاله باختلاف الأمم والشعوب والشرائع، وتعددت أنواعه بتعدد الظروف المحيطة به والأسباب الداعية إليه. فمنه ما يكون بالكف عن الاذى بالأخرين والأكل والشرب والاتصال الجنسي والكلام والانقطاع عن اداء المراسيم الدينية لفترات معلومة. ومنه ما يكون بالكف عن واحد من هذه الأمور أو عن بعضها. وقوام الصوم على كل حال هو: تنبيه العقل والنفس من سيئات الدنيا الباطلة، وتمكين الجسم من السيطرة على حاجاته الضرورية المحببة، والتحسيس بحاجة الآخرين وجوعهم.
ولعل الكف عن أذى الأخرين والتقيد بالاخلاق الحميدة هو من أعظم أنواع الصيام. وهذا ما مذكور في الكتاب المقدس للمندائيين الذي يحتل عندهم مكانة هامة في الحياة اليومية الدينية والاجتماعية. ويسمى الصيام العظيم ( صوما ربا ). والتمسك والتقيد به هو من علامات الإنسان المؤمن الواعي الطيب الاخلاق.
ومن أغرب أنواع الصيام هو الكف عن الكلام. وهو منتشر لدى كثير من الأمم البدائية وغيرها. فقد مارس سكان أستراليا الوسطى حالات كثيرة من هذا القبيل، منها أن التي يتوفى زوجها يجب عليها أن تظل صائمة عن الكلام مدة طويلة تبلغ عاما ً كاملا ً أحيانا ً.
ويذكر القرآن في بعض الآيات أن شيئا ً من هذا كان متبعا ً من قبل زكريا أبو النبي يحيى وكذلك مريم أم المسيح. ويرد في القرآن أن زكريا خاطب ربه حين بشره بغلام قال: " ربي إجعل لي آية فقال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا " والـ " سويا " هنا أنك يا زكريا ليس بك من علة في الكلام ولكن هذه آية كما ذكر القرآن.
والإمساك عن الأكل والشرب في الصيام يقع على وجوه كثيرة: فمنه المطلق الذي يشمل جميع المأكولات والمشروبات ( كصيام المسلمين ) ومنه المقيد الذي يكون بالكف عن بعض أنواعها ( كبعض أنواع الصيام عند المندائيين والمسيحيين ).
ومن أنواع الصيام ما يقتضى الإمساك عن هذه الأمور اليوم كله " نهاره وليله "، ومنها ما يقتضى الإمساك نهارا ً أو شطرا ً من النهار، ومنها ما يبدأ بغروب الشمس ويستغرق الليل كله أو شطرا ً منه.
ومن أنواع الصيام ما يكون متتابعا ً يجري في أيام متتالية، ومنه ما يكون مقصورا ًعلى يوم واحد أو ليلة واحدة أو جزء من يوم أو ليلة، ومنه ما شرع في أيام غير متتابعة يفصل بعضها عن بعض فترات معينة.
ومن أنواع الصيام ما هو واجب على جميع الطبقات أو على بعضها بشروط خاصة، ومنه ما هو مستحب يندب إليه جميع الأفراد أو بعض طوائف منهم.
وتراعى في الصيام حالات المرض وعدم القدرة الجسمية على تحمله ويعاض عنه بحسب تعاليم الأديان.
مقتضيات الصيام ومناسباته:
ترجع أهم الحالات والمناسبات التي تقتضى الصوم على وجه الوجوب أو الندب في مختلف الشرائع الإنسانية إلى الأمور الأتية :
1- حول مواقيت عادية دورية، كحلول فصل معين من فصول السنة، أو شهر من شهورها، أو يوم من أيام الأسبوع، أو بلوغ كوكب منزلة خاصة من منازله ... وما إلى ذلك. وكثيرا ً ما يكون الميقات تاريخا لحدث فلكي أو إجتماعي خطير وقع فيه، فيتجه الصيام أولا ً بالذات إلى هذا الحدث أو إلى أمور تتصل به: كالأيام الخمسة التي تسبق عيد الخليقة ( برونايي ) عند المندائيين وهي أحدى أيام صيامهم الثقيلة، فإنها تاريخ إنحسار آخر أيام عالم الظلام ( الما اد هشوخا ) الذي ينكشف في أيام الـ ( برونايي ) وتجلي نور الخالق في عالم النور( آلما اد نهورا ) . وكاليوم السابع عشر من الشهر الرابع العبري عند اليهود وهو أحد أيام صيامهم، فهو تاريخ لسقوط أورشليم عاصمتهم القديمة. وكشهر الصيام مثلا ً عند المسلمين، فإنه تاريخ أول آيات القرآن " إنا أنزلناه في ليلة القدر..".
2 ـ حلول ظواهر فلكية غير عادية كالكسوف والخسوف.
3 ـ دوافع الكف عن الأذى للأخرين والتطهر والفرح والحداد.
4 - بلوغ الشخص سنا معينة أو مجاوزته مرحلة من مراحل حياته.
5 - التكفير عن بعض الذنوب المقصودة وغير المقصودة أو التحلل من بعض الخطايا.
6 - وقد يتخذ الصوم وسيلة للحصول على أغراض نفعية إيجابية ( بلوغ منزلة خاصة من المنازل اللاهوتية، أو صفاء الروح، أو معرفة الحقائق ( ناصيروثا ) على النفس وإلهامها المعلومات، أو الإطلاع على الغيب، أو الاتصال بعالم السماء، أو القدرة على الإتيان بأمور خارقة للعادة، أو تسخير بعض القوى غير المرئية وإرغامها على سلوك معين ) بحسب عقائد الأديان.
7 - وقد يلجأ إلى الصوم لدفع ضرر فردي أوجمعي ( مرض أو وباء أو طوفان أو قحط ... وما إلى ذلك ). ولعل أهم أنواع الصيام هو الصيام العظيم ( صوما ربا ) الذي تنفرد به الديانة المندائية. وأما الصيام الأكثر انتشارا ً في مختلف الديانات هو الصيام في مواقيت معينة تتكرر كل سنة أو كل شهر أو كل أسبوع ، وهو الصيام الذي يرتبط في الغالب بتاريخ أحداث فلكية أو دينية اجتماعية خطيرة.
ومن أشهر الديانات التي اوجدت الصيام بكل أنواعه وأولته له عناية كبيرة وكثرت فيها مناسباته، وأنزلته منزلة الفروض العينية، ديانة الصابئة المندائيين واليهود والمسيحيين.
الصيام العظيم ( صوما ربا ) في الديانة المندائية:
يحتل الصوم عند المندائيين مكانا ً هاما ً في الممارسات الدينية والاجتماعية، وينقسم الى مجموعتين مختلفتين: الأول يشمل وصايا السلوك الأخلاقية التي يجب أن يلتزم بها المندائي فيصوم بمعنى يتوقف عنها توقفا ً تاماً ، والأخر يرتبط بأحداث فلكية واجتماعية.
يقول الحي الأزلي في الكتاب المقدس للمندائيين ( كنزا ربا ) عن الصوم العظيم:
يا أيها المختارون إني أبين لكم، أيها المؤمنون صوموا الصيام العظيم، الصيام ليس الصيام عن المأكل والمشرب.
صوموا رؤوسكم : حبا ً للإيمان وأعبدوا ربكم وسبحوا له، انه رب جميع العوالم، لا تعبدوا الشياطين والاصنام التي تملأ هذا العالم، إن لن تفعلوا هذا فستكون هي سخرة في ايديكم. لئن بات الإيمان عميقا ً في قلوبكم فلا بد ان تكون هي خدما ً لكم.
صوموا عيونكم : إقلعوا عن الغمز بالعيون ولا تلمزوا ولا تفعلوا شيئا ً نابيا ً.
صوموا آذانكم : إقلعوا عن إسترقاق السمع من خلف الابواب التي هي ليست أبوابكم .
صوموا أفواهكم : تجنبوا الحديث عن الموبقات ولا تحبوا الزور والباطل.
صوموا قلوبكم : لا تبطنوا نيات ٍ سيئة ً ولا تدخلوا الى أفئدتكم البغض والحسد والشقاق، من يضمر الغيرة في صدره سوف لن يكون كاملا ً.
صوموا أيديكم : لا ترتكبوا جريمة القتل ولا تجعلوا السرقة حرفة ً لكم.
صوموا أبدانكم : لا تضاجعوا امرأة هي ليست زوجة لكم.
صوموا ركبكم : لا تقيموا الصلاة للشيطان ولا تحنوا رقابكم أمام صور الخديعة.
صوموا أقدامكم : لا تطأوا مكانا ً ما إبتغاءا ً للحصول على شيء هو ليس من ملكيتكم.
صوموا هذا الصيام العظيم ولا تقطعوا عنه حتى تفارق أنفسكم أجسادكم.
الصيام ذو المواقيت الدورية ( المبطلات ) في الديانة المندائية:
يقوم هذا الصوم بالانقطاع عن تأدية المراسيم الدينية، وبالامساك عن تناول اللحوم ومشتقاتها فقط ، وعند الاقتضاء عن العلاقات الزوجية في أيام معلومة، خلال يوم أو أكثر، من الشروق الى الشروق بروح التوبة، قمعا ً للاهواء وقهرا ً لشهوات الروح والجسد وسعيا ً وراء البر الحقيقي والتقرب من الحي العظيم بكل رجاء ومحبة، حيث يوقف المؤمن فترة من الزمن ليعيد التفكير في ذاته في حياته، ثم في الأخرين، فيلتزم بمساعدة الآخرين بمبادرات عملية ملموسة وذلك بحسب الوسائل الكبيرة أو الصغيرة المتوفرة لديه. فاذا كان الصوم في وجهة المنظور أمتناعا ً عن تقديم المراسيم وتناول اللحوم ومشتقاتها، فهناك صيغ عديدة لممارسيه، أما الهدف فهو التوبة واستغفار الحي العظيم ( هيي قدمايي ) وتطهير الذات وكسر الإرادة ونبذ الأنانية والتفكير بمن هم أفقر واضعف منا ،هذا كله نسميه الاهتداء الى ملك النور السامي أي السير بنوره ونحوه.
ويرتبط هذا الصوم بأحداث فلكية واجتماعية وقعت فيه، وهي أهم أنواع هذا الصيام التي يحرص المجتمع المندائي على تخليد أو نبذ هذه الأحداث، وتجديد ذكرياتها في النفوس، وجعلها ماثلة في أذهان الأفراد. ويحدد الدين المندائي أيام هذا الصيام بـ ( 36 ) يوما ً متفرقة على أيام السنة والتي تتطابق بعددها عدد ساعات الكراص للعيد الكبير وتنقسم الى مجموعتين:
الأولى تضم الأيام ( المبطله ) الخفيفة، وعددها ( 24 ) يوما ً متفرقة على أيام السنة، حيث لا تقام فيها المراسيم الدينية الرسمية وتشمل اليوم الأول بعد عيد الخليقة ( برونايي )، واليومان اللذان يسبقان يوم الإجتماع والفرح ( كنشي وزهلي )، والأيام من واحد الى خمسة ومن ثمانية الى أربعة عشر واليوم الثاني والعشرين من بدء السنة المندائية الجديدة أو العيد الكبير( دِهبا اد ربا ) التي تقع في شهر شباط المندائي، واليوم الخامس والعشرين من شهر أدار المندائي، والأيام الأربعة الأولى من شهر " دك الفل" أو العيد الصغير ( دِهبا اد هنينا )، واليوم التاسع والخامس عشر والثالث والعشرين من شهر تموز المندائي أو شهر الغفران والثواب.
أما المجموعة الثانية التي تضم الأيام ( المبطله ) الثقيلة، وعددها (12 ) يوما ًوتأتي متفرقة على أيام السنة، وفيها لا تقام المراسيم الدينية الرسمية، وكذلك ننقطع بها عن تناول الاطعمة الساخنة والدسمة، وكافة المنتجات الحيوانية، كاللحم والحليب والبيض، ونقتصر فقط على الاطعمة النباتية. وذلك كي تنجو عين النفس من ثقل الاطعمة الدسمة ، المتنوعة التي تسدل ستار الظلام على بصيرتها بابخرتها المتصاعدة ، وتمنعها عن رؤية الامور الروحية ، ففي ذلك الانقطاع عن هذا النوع من الطعام، تخمد الاهواء المنحرفة، والميول البشرية ، فتصقل مرآة النفس وتصبح صالحة لانعكاس الصورة الروحية . وتشمل الأيام الخمسة التي تسبق عيد الخليقة ( برونايي ) واليوم الذي يلي عيد الديمومة ( دِهبا اد دَيمانا ) واليوم السادس والسابع من السنة المندائية الجديدة أو العيد الكبير( دِهبا اد ربا )، والأيام الأربعة التي تخص العبادات الباطلة.

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي