wrapper

 


المحامي عماد عبد الرحيم الماجدي


بسم الحي القيوم
علينا أن نقف على ما للترية والمنهاج التربوي من تأثير على عقلية الصابئي ، مهما كان رجل دين أو من عامة الصابئة ، وخاصة ( الطفل الصابئي ) ، وعلاقة المسار التربوي واعداده على مسألة استمرارية الصابئي ، وبقاء تواجده في الساحة الإيمانية ، التي تشغلها بقية الأديان السماوية الكريمة ( الدين اليهودي ، الدين المسيحي ، الدين الإسلامي الكريم )

بسم الحي العظيم
* من يبلغ عنا أبائنا أننا غارقون في الديجور .. وأن أعيننا لا ترى النور .. وأن أبواب الظلام موصدة علينا منذ دهـور ؟ * في الليل والنهار يسائلوننا جميعا ، ويقطعونا تقطيعا .. * كل يوم توضع أعمالنا أمام أعيننا .. ونسحب من أرجلنا .. لنحدق فيها عملا عملا ‘ ثم لندفع عنها العذاب بدلا .

* ربّوا أبناءكم وهذبوهم ، والحكمة علموهم ، واغرسوا في نفوسهم الإيمان* دعوعم يسلكون طريق الكشطا * إن من لم يرشد أولاده ، ولم يعلمهم يحاسبه الله * ومن سعـى لهـداية أولاده ، فلم يَـهـتـدوا يـحاسبهم الله

صدق الحي العظيم


 
التربية في اللغـّـة :

 

ذهب اللغويوّن ، ومنهم الراغب الأصفهاني ، إلى تعريف التربية بقوله : الـّرب في الأصل التربية ، وهي إنشاء الشيئ حالاً فحالاً إلى حد التمام .

 

يـُـقال : ربـَّـه وربـّـاه وربـّـيه ، و( ربَّ الـولد رباً : وَلـيّـه وتـَـعـَـهـَّـدَه ، بما يـُـغـَـذيه ويـُـنمـّيه ويؤدبـّه

 

ويمكننا تعريف التربية الصابئية على أنها : ( عَـملـية بناء الإنسان الصابئي من خلال نهج ومنهجية شريعته الصابئة السمحة ، وتـَـهيئته للسير على طريق الإيـمان لتحقيق غاياتـِـه وأمانيه في الحياة ) ، وذلك يساعد حتما إلى إعداد شخصية الإنسان الصابئي وصياغتها لتتميز بطابعها الإيماني الخاص ، ولتكتمل وتتهذب وتنصقل من خلال هذا الإعـداد .

 

الكلام في موضوع التربية ، من أهم المواضيع في عصرنا الراهن ، وهناك الكثير من النظريات التي وضعت من قبل المختصين ، لتوضيح وشرح ووضع معنى محدد لمفهوم التربية . لقد حرصت كل الأديان على تربية الطفل ، الذي هو عماد أي مجتمع على هذه الأرض ، وركزت على الاهتمام ببناء شخصيته بناءاً عقائدياً ( نابعا من ، ومرتكزا على ) مبادئ ونصوص وأحكام كل دين ، ومن بين تلك الأديان ، الدين الصابئي الحنيف

الرسالة الدينية الصابئية حرصت على بناء الطفل الصابئي ، كنواة سليمة خالية من الأمراض النفسية والعادات المبتسرة ، في بناء المجتمع الصابئي ، الذي هو وبالتأكيد جزءاً من المجتمع الإنساني الكبير ، وأول خطوة ( تربوية دينية صابئية ) ، والتي يجب أن نقوم بها تجاه طفلنا الصابئي هو ( صباغته ) بعد الإنقضاء من عمره الثلاثين يوماً ، هذه الخطوة الدينية التربوية ، والتي هي كما هو ثابت ، تمثل الركن الثاني من أركان ديننا الصابئي الحنيف ، ستخلق مناخاً تربويا دينياً تسير عليه بقية أفراد هذه العائلة ، وسيكون محفزاً للعوائل الصابئية الأخرى.

 

ونحن نرى كل يوم ما يقوم به الأخ المسلم ، والعائلة الكريمة المسلمة لطفلهم المسلم ، عند ختانه وهو صغيراً ، من مظاهر البهجة في هذه السنة ، وهذا هو المسار أو المناخ الذي نحن عنه نتحدث ، وفي أوربا الآن تجري عملية ختن الطفل بعد أيام معدودات .

 

الطفل ( أي طفل ) يحمل استعداداً كاملاً لتـَـلقـّي كل مفردات الحياة كالعلوم ، والمعارف واللغة لـتـكوين شخـصــيته ، وبـناء ذاته ، وفق اتجاه تربوي معين ، ينمو ويكبر لرسم وتحديد سلـوكه تجاه ما يحـيـطـه من ناس ومخـلوقـات وطبيعة .

 

إن التربية للطفل في المرحلة الأولى من عمره هي تدريب لما يتلقاه من المـُربـّي إعداداً لمواجهة المستقبل وأول المربين لهذا الطفل هما الأبوين ، فتراه يكتسب منهما السلوك والإلتزام والعادات والأخلاق ، ويتأثر بطريقة حياتهما ، وتعاملهما مع بعضهما البعض وسلوك أحدهما تجاه الآخر، في الاحترام وتبادل الرأي ، والثقة ، والإخلاص والوفاء... لذلك فإن أول محيط يتأثربه الطفل لتكوين شخصيته ، هو محيط أبويه ، أي المحيط العائلي ، سلوكا ، ثقافة ، وتربية وتوجيه .

 

إستقر علماء التربية الحديثة ، على أن فترة الطفولة تمر بثلاثة مراحل رئيسية ومهمة وهي :

 

الأولى : تبدأ من ولادة الطفل إلى سن ( 3 ) ثلاث سنوات .
الثانية : من عمر ( 3 ) سنوات إلى حوالي السنة ( 8 )
الثالثة : تنتهي فترة الطفولة عند بدء المراهقة .

 

فــالتربية إذن يجب أن ترافق وتواكب ، بل تلازم الطفل منذ ولادته ، وتفارقه أو تنتهي بتـكّون ، أو عند بدء تكوين شخصيته ثم بعد ذلك يتم ظهور إفرازات تلك التربية ، من التزام واضح لذلك الطفل الذي تربى ، وتمت تربيته على يـَـدي أبويه ، وتنمو شجرة تلك التربية في نفس ذلك الطفل ـ الفرد وفي المجتمع الذي هو أساس بناءه . فإذا كانت أسس تلك التربية قوية وسليمة ، نرى مجتمعا سليما وقويا ، وإذا كانت أسس ذلك البناء التربوي غير سليمة وغير قوية ، فسنرى حتما فردا غير سليم وغير قـوي وبالتالي مجتمع غير قوي وغير سليم ، والأبوين كما هو ثابت سبب وجود هذا الطـفـل بعد الله الحي القـيـّـوم ( مسبح اسـمه ) ودورهما هو الأساس الرئيس الثابت لهذا الوجود .


يجب أن يكون الأب الصابئي مثالاً طيبا لأولاده ، يتأثرون به ، ويعملون بتوجيهاته ، حتي يقتدوا به ، ومن خلال ذلك سيتعرف الأب حتما على مسؤولياته في مجال تعليمهم وتثقيفهم ومجال تأديبهم ومحاسبتهم ومعاقبتهم ، كيف ومتى ... ! خارج البيت وداخله .

يتعلم الطفل في السنوات الأولى من عمره أكثر بكثير مما يتصوره الآباء ، فان كثير من العادات يكتسبها الطفل كلما كانت سنه أصغر وإن 90 % من العملية التربوية تتم في السنوات المس الأولى ، كما أن الطفل في هذه الفترة يـَـميل إلى إرضاء والده ، ويحاول أن يخرج منه عبارات الثناء والإعجاب ، لذلك فمن البديهي أن يستغـل والده خلال هذه الفترة أو هذه السن الحساسة الهامة ، في تعليم ولده وتوجيهه التوجيه الحسن ، يقول ابن الجوزي في هذا المجال

 

أقـوم الـتـَـقـويـم ما كان في الصغـَـر فإذا تـُـرِكَ الولد وطبعه نشأ ومَـرنَ علـيـه كـان ردّه صـعبـاً ، قال أحد الشعراء :

 

إن الـغصون إذا قـَومتها اعـتدلت ــ ولا تـَلـين إذا كانت من الخـشـبِ

 

قـد ينفع الأدب الأحداث في مهلٍ ــ وليس ينفع في ذي الشيبة الأدبِ

 

وقـد يرى البعض من الآباء أن توجيه الولد [ الطفل ] يبدأ من نعومة أظفاره فلا مجال للأب أن يتعـثـّـر أو يؤخـّـر مسألة التعليم الى أن يكبر الطفل ويتصلب عوده

 

إن على الأب الصابئي أن يعلّم ابنه ، أول ما يعلمّه أمور دينه الصابئي بشكل متدرج يتناسب مع عـُـمره ، لذلك على الأب الصابئي ، أن يعرف هو أولاً أمور دينه وأحكامه فيما يتعلق في الأوامر والنواهي في دينه الصابئي الحنيف ( الحلال والحرام ) ، وعليه أن يعرف أصول دينه وقواعده وأركانه ، فيما يتعلق في العبادات والمعاملات ، وأساليب التربية ومبادئ الأخلاق المقرره والمشرعـّـة في هذا الدين ، فإن لم يفعل ذلك وأهمل هذه الجوانب فان تربيته لولده سوف تكون منحرفة حتما ، وبالتالي ينحرف الأطفال ويكونـوا عبثا على مجتمعم الذين هم فيه إذا كبروا ومن الثابت ان التربية الخاطئة تـُـعـَـد أهم العوامل صلة بالجرائم والإنحراف والرذيلة .

 

إن الطفل لا يميـّـز ولا يفرّق في صغـره بين الصالح والــطالح والخير والشر ، والخطأ والصواب ، وإنما لديه رغبة يحس بها في نفسه تدفعه الى طاعة من يوجهه ويرشده فيعيش منقاداً وتحت سلطته وإمرته ، فان لم يجد هذه السلطة المـُـوَجـِـهـَـه المـُـراقبة الضابطة لتصرفاته فإنه سينشأ قـلقاً حائراً ضعيف الإرادة والشخصية ، لهذا فان دور الأب هام لبناء وتـقـويم شخصية الطفل وتـحقـيق التوافق والتوازن النفسي والعقلي والفكري .

 

إن الطفل الصابئي إمتداد ليس لعائلة الطفل فقط ، وإنما هو امتداد لكل الصابئة واستمرارهم ومن دونه سنـنـتهي ونموت ، فعلينا اذن أن ننهض به من خلال توجيه أنفسنا أولاً ، وتوجيهه ، ومراقبة سلوكه ، ورصد تصرفاته والوقوف على رغباته وسد حاجاته ثم تحصينه وتعليمه وبناءه البناء الديني والروحي بشكل علمي يتناسب ومتطلبات عصرنا الحاضر بما لا يخالف أحكام الدين الصابئي ثانياً .

 

على الأب الصابئي ، الإجتماع دائما وباستمرار بأطفاله ، وبأوقات منتظمة ، يعلمهم من خلالها أمور دينهم الصابئي ، وأمور دنياهم ، وشرح ما يحيط بهم . والأب الصابئي غيـر مطالب [ باسلوب أو منهج معين ] في تعليم أولاده ، إنما المقصود هو تعليمهم وتثقيفهم بكافة ما يقدر عليه ، وتحصينهم بأحكام دينه الصابئي ، فإن صـَـعـُـبَ عليه اسلوب الإلقاء والمحاضرة ، عليه أن ينتهج اسلوب القراءة ، فيحضر أو يهيأ لهم موضوع أو فقرة أو باب معين من أبواب المعرفة والدين مراعياً الإيجاز وسلاسة الأسلوب على أن يتناسب مع قدراتهم العقلية . فإن تعذر عليه كل ذلك عليه أن ينتهج سلوكاً يومياً أمام أطفاله ( مبتدئاً بالرشاما والبراخا ) ، وامتناعه عن تناول ما حرمه عليه الله الحي القيوم ، والإبتعاد عن الموبقات ، والصدق معهم وهذا أهم شيئ ... وغيرها الكثير .

 

إن المجال في هذا الباب متسع ، فيمكن للاب أن ينــتهج ويبتكر أساليب أخـرى في هذا المجال ، منها أن يستغل الوقت الذي يقضيه مع ولده حينما ، يأخذه إلى الروضة أو المدرسة أو عند مصاحبته لأي مكان يذهبا إليه ( الصابئة في المهجر ) .


أبــناؤنا ، أبـناء الصابئة جـميعا ، أبناء هذا الدين الأول بهم ومن خلالهم نستمر في هذه الدنيا ونتواجد في رحابها ، هم مستقبل أمتنا الصابئية ، فـلنعـلـّـمهم دينهـم الصابئي الأول الرابع الحنيف .

باسم الحي العظيم

.*.. يامن تحسبون أنفسكم حكماء ولستم بحكماء * يامن تدعون بأن الله بينكم ، وجلّ أن يكون بين أحد ..* من يعّلم أبناءنا إننا غارقون في الديجور .. وأن أعيننا لاترى النور .. وأن أبواب الظلام موصدة علينا منذ دهور ؟. * في الليل والنهار يسائلوننا جميعا ، ويقطّعوننا تقطيعا ..* كل يوم توضع أعمالنا أمام أعيننا .. ونسحب من أرجلنا .. لنحدّق فيها عملاً عمَلا ، ثم لندفع عنها العذاب بـَدلا . * سيظل النور والظلام يتصارَعان * وسيقاتل الكفر الإيمان * ماعاش على وجه الأرض إنسان * هكذا يمتحن الإيمان * الجاهل بجهلهِ يوصل عنقه إلى السيف ..* كم من جاهلٍ صامت يوهم بأنه من الحكماء .. * يرقص الجاهل والطوق في عنقه ..* الحكمة للجاهل كالمرآة للأعمى ..* رأس العلم ألا تلقي بنفسك في التهلكة ..* إن مندا إد هيّي يقول : كل نفس تُسْأل هي عن أعمالها . لاتشارك نفسٌ نفساً ، ولا تتحمّـل نفسٌ نَفْسـاً .

 

مما يـُحزِن الإنسان الصابئي في عصرنا الراهن أن يرى أبناء دينه من الصابئة يسيرون من ضعف إلى ضعف ، وينتقلون من وهن إلى وهن ، ندخل في ضياع ونخرج منه ونعود إليه ليحتضننا القنوط ، ولا ندري إلى أين نحن سائرون ، وماهو مصيرنا ومصير أبنائنا في هذه الدنيا ، وما هو نصيبنا ونصيبهم منها ، وتهنا بين مسألتين ، أو ضعنا بين سؤالين هما :

 

[ هل نحن الصابئة اليوم ، نأكل حتـّى نعيش ..؟ أو نعيش حتـّى نأكل .. ؟ ] .

 

الكثير من الأقوام حَسَمت أمرها في الرّد على هذين السؤالين من خلال العمل والجّد والمثابرة وإبراز الهوية المستقلة الخاصة بها ، والقرار الذي يحمل بصَمات كينونتها ، من خلال مساحات حضورها ووجودها وتواجدها على مسرح الحياة الدنيا ، فأجابت : إنها تأكل حتى تعيش . أما نحن فلم نزل نبحث عن الجواب ، وجواب أحدنا لايكفي ! فإن الحياة ، الإنسانية ، تريد منا جواباً ، فهل من مُغيث وهل من سميع ؟ هل من مُجيب ، ومتى نجيب ..؟

 

جئنـا من كل صوبٍ ومكان لنزاول حياة قرّر الله الحي المزكّى كيف تكون ، وبقدرته ومشيئته تستمر ، وبقراره وأمره حتماً تنتهي ، ونحن نعيش هذه المسيرة الدنيوية ، التي هي بالرغم لمن يعتقد بطولها ، فهي أقصرعمراً من أن تسمّى ، لكنها سنّة الحَي القيوّم ... إن مابين الباطل [ الحياة ] ، والحق [ الموت ] مسافات زمنية قد تطول ، وقد تقصر ، لكن هذه المسافات تراوِح مابين الخير والشر من خلال عمل المخلوق [ الإنسان ] ، ونوع مسيرته ، هذه المراوحة تنتهي وينتهي معها كل شيئ عند قيام الحق وهو الموت ، وهناك فقط ينتظرنا الحساب :

 

إن غداً من اليوم قريب . ما أسرع الساعات في اليوم ، وأسرع الأيام في الشهر . الدنيا كـَيومٍ مضى أو شهر انقضى ، خذوا مهل الأيام .

 

فنحن آلات تحرّكها أصابع الحياة والدهر : [ الدهر يجري بالباقين كـَجريهِ بالماضين ] ، نعم تحرّكنا أصابع الدهر التي تنكسر أمام عظمة الخالق الحي القيوّم :

 

وأكثر الناس آلات تحـّركها ــ أصابع الدهر يوماً ثم تنكسِرُ

 

كل شيئ إلى زوال : * كل من يولد يموت ، وكل مايصنع بالأيدي يفسد ، والعالم كلّه يفنى * إن عكازتكم يوم الحساب أعمالكم التي عليها تتوكأون ، فانظروا إلى ماذا تستندون .


نعم .. إلاّ عمل الإنسان فهو باقٍ مادامت الحياة قائـمة. والإنسان يُخَـلـّد من خلال الحَسن من أعماله وأفعاله وأخلاقِهِ ، وقيل : [ المرء مدفون بعمله ] ، وقال شاعـر :

وما الحُسْنِ في وجه الفتى شرفاً له ــ إذا لم يكن في فِعله والخلائـِقِ

كان الصابئة متوحّدين تحت راية دينهم الصابئي الحنيف ، آمنوا ثم اهتدوا وابتعدوا عن الخطيئة :

بسم الحي العظيم

*واعترفوا : كنا بلا إيمان * فغاصـَت الأقدام في الخـَطيئة * والآن .. بعد أن اهتـَدينا .. نـَبرأ من يدينا .. إذا أشار إصبع منها إلى الخطيئة .. سيدنّا كنا بلا هدى * يقودنا الردى * ثم اهتدينا الآن .

 

أحبّوا العدل وأحبّوا الحَـق وأدركوا بطلان الدنيا :

 

* احببت العدل منذ أحببتك * وأحببت الحق منذ أحببتك * منذ يوم عرفتك ، عرفت أن الدنيا باطلة ، وإن جميع نِعَمِها زائلة .

 

نعم يحب بعضهم الآخر ، يحضنهم دفْ العقيدة الصابئية وصدقها ، شعارهم السلام والإيمان والمحبة بينهم ولكل الناس :

 

ليحب بعضكم بعضاً * ليحتمل بعضكم بعضاً ... * أحبوّا لأصحابكم ماتحبون لأنفسكم ، واكرهوا لهم ماتكرهون لها * وتزوّدوا لآخرتكم بالعمل الصالح ..

 

لذا ساد الإنسجام الروحي فيما بعضهم ، بل كان واضحا عليهم من خلال تعاملهم اليومي ، فكانت مفردات هذا الإنسجام متداولة فيما بينهم : الصدق ، الإيمان ، العفّة ، التعاون ، المروءة ، الحب ، السلام ، الكبرياء ، النخوة ، الكرامة ، الشجاعة .. إلخ ، وكل هذه المفردات مستمّدة ، ومتأتيّة من خلال إلتزامهم آنذاك بقيمهم الروحية الدينيّة ، ولإ بتعادنا عن تلك القيم أصبحنا ، وَسنبيت ونـُصْبح على ما نحن عليه الآن : فرق ، شتات ، تكتلات ، جمعّيات ، مؤتمرات ومسارات ..! توحدّها [ مجلس العزاء ] ، عند موت أحدنا ، وتجمعها [ الحفلة ] عند الزواج ، وقيل : تحتاج القرابة إلى مودّة ولا تحتاج الموّدة إلى قـَرابة .

 

كلّ ماكان ، وكلّ ما تقدم كان متأتياً من خلال إدراك ، وإلتزام ، وعلم ، وفهم الصابئة ، ورجال دينهم لأحكام الدين الصابئي الحنيف بأوامره ونواهيه ، وكان رجال الدين الصابئة : رجال دين عقائدييّن ، ملتزمين ، وَهبوا حياتهم لنشر دعوة دينهم الصابئي الحنيف بين الناس ، وكان كل واحد منهم معجزة جليلة لهذا الدين ، إيمانا ، وعقيدة ، وعملاً ، وخلقاً ، وتربية ، وتهذيبا وتزكية نفس ، وسمّو سيرة ، وكمالاً واعتدالاً ، فكانوا أمثلة كاملة ، وأقيسة تامة للدين والدنيا والجمع بينهما ، فنشأ الأبناء على هذا الزاد العقيدي ، وعلى هذا الإلتزام وهذا النهج ، فاختطوّا منهجهم في هذه الحياة ، والتي أدركوا كونها دار زوال وفناء ، للإنتقال إلى دار الحق ، التي هي دار قرار وبقاء :

 

بسم الحي العظيم
* كل من يولد يموت ، وكل ما يصنع بالأيدي يفسد ، والعالم كلّه يفنى ، فأين سر الألوهية التي فيه إن كنتم تنظرون * إن عكّازتكم يوم الحساب أعمالكم التي عليها تتوكأون ، فانظروا إلى ماذا تستندون .


وبعد تعرّض الصابئة إلى الحروب والتقتيل والإضطهاد من قبل اليهود والمسيحيين ، وبعد هجرتهم من أورشليم وقمران في القرن الأول ومنتصف القرن الثاني الميلادي ، إلى بلاد ما بين النهرين ، واستقرارهم في ميسان والطيب وواسط وفي نواحي الموصل وعلى ضفاف نهر الخابور وحران والرقة ، ضاع وتلف الكثير من الكتب الدينية الصابئية نتيجة لذلك ، مما دفع رجال الدين إلى إستنساخها ، وأذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر : رومي برْ زكيا ، الريش أمـّا : رئيس الأمة آدم أبو الفرج ، معيليا برْ أنش بهداد ، ومن النساء الكنزفراحوينا.

بعد تعرّض الصابئة إلى الإضطهاد والقتل والإبادة ، كما ذكرنا فيما تقدم ، بدأت عوامل الإنحدار تظهر وتنخر في فكر وجسم هذه الأمة العَريقة ، التي شغلت مساحة تأريخية عريضة وعظيمة لا يمكن تجاوزها ، أو حذفها من الموروث الحضاري الإنساني ، وتأريخه القديم والمعاصر ، حيث تأثرت الكثير من الحركات الفكرّية في كثير من الحقب التأريخية بالفكرالصابئي ، لامجال لذكرها في موضوعنا هذا . وظهر ذلك وبكل وضوح أولا ً على رجل الدين الصابئي ، فقد بدأ في الإنسحاب رويداً رويداً من المسرح الحياتي الكبير والتخلي عن مهمته الأساسية في قيادة أبناء ديننا الصابئي للإستمرار ضمن إطار ذاته وكينونته الصابئية ، وتخلى عن أهم واجب من واجباته الدينية وهي دعوتهم إلى الإيمان ، وأول الدعوى إلى الإيمان هو النصح ، والنصيحة كما فسرها المختصون :

 

كلمة يعبر بها عن جملة واحدة هي : إرادة الخير للمنصوح له ، وليس يمكن أن يُعَبّر هذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناها غيرها .

 

والنصح من قبل رجل الدين الصابئي إلى الصابئي واجباً شرعياً ، فيصبح الصابئي ناصحاً لغيره من الصابئة ومصلحاً له ، والنصح ، أيضا من قبل رجال الدين الصابئة للصابئة وتعليمهم وإصلاحهم وإرشادهم إلى مهمات الدين ، والتودّد إليهم ومساعدتهم في المآزق والظروف الحرجة من أهم الواجبات التي تقع عليهم ، والثابت إن [ طاعة العلماء من رجال الدين أفرض من طاعة الوالدين ] .

 

قال محمد بن المنكدر : إن العالم بين الله وبين خلقه ، فلينظر كيف يدخل عليه .

 

وقيل : إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة ، عالمٌ لايـُنتَفَع بعلمه .

 

وعن سفيان بن عيينه إنه قال :
إذا كان نهاري نهار سفيه ، وليلي ليل جاهل فما أصنع بالعلم الذي كتبت

 

وبدأ ابناء هذا الدين الحنيف في النهضة من جديد ، ومن خلال إنتمائهم ووعيهم الديني الصابئي بالإبداع ، والأسهام بكافة العلوم التي عرفتها الإنسانية ، الفلسفة والفلك والفيزياء والكيمياء والجبر والفن والأدب والشعر، وتقلدّوا مناصب عديدة ومتنوعة ، كانوا فيها رموزا وقِمَماً للنزاهة والإخلاص والتعفّف والإيثار.

 

كما كان لرجال الدين الصابئة القوة ، في اتخاذ القرارات المناسبة وتمثيل الصابئة كوجود قائم أمام القوى الأخرى ، وهناك الكثير من الوقائع التأريخية التي تؤيد ذلك ومنها ما قام به [ أنش بَـرْ دنقا ] رئيس الوفد الصابئي بطلب الأمان للصابئة من القائد الإسلامي الذي فتح العراق . وقد برز الكثير من الصابئة في كافة العلوم في العصر الإسلامي وساهموا في النقل والترجمة وتقلد البعض منهم مراكزا حساسة وخاصة في الدولة العباسية ، وحتى المتأخرة منها وهم كثيرون ، وبكافة الميادين الإنسانية .

 

ومن الطبيعي أن يتأثر الوجود الصابئي بما حدث للدولة الإسلامية وخلافتها ( وللأسف ) ، من تآمر وأحداث وتفكك وتمزق أدى إلى إنهيارها ، وبدلاً من أن يحافظ الصابئة إلى ما وصلوا إليه في ظل هذه الدولة ، إنهاروا هم أيضا ، ويعود ذلك إلى عدم تمكن رجال الدين الصابئة والصابئة من خلق تحصّنٍ عقائدّيّ ، ونهجٍ فكريّ واضح وكيان مستقل لهم ، قائم بذاته في كل أبعاده الدينية والفكرية والإجتماعية ، لذلك نراهم قد خضعوا لنفس عوامل الإنهيار التي هدمت الصروح الحضارية لدولة أخواننا المسلمين ، وظل هذا الخضوع لنفس عوامل الإنهيارـ لغيرنا ـ يلازمنا ، نحن الصابئة لحد الآن ولا نستطيع التحّلل منه ..! والتأريخ يعيد نفسه ... أينما نعيش نتكـّيف ونخضع وبسرعة ، لكل ما يحتويه ويتضمّنه المجتمع الجديد من عادات وتقاليد ، وبنفس السرعة نذوب في المسارات الجديدة التي صاغها ورسمها هذا المجتمع لأبنائه ..! ومن الممكن جدا أن نطلـّع على ما في المجتمع الجديد ، ونتأثر به ونؤثر فيه ، ونضيف إليه ، دون أن نذوب فيه ، لاسيما إن المناخات الإجتماعية والفكرية والسياسية والإقتصادية وغيرها في المجتمعات الجديدة التي جئناها تساعد على التعايش والإستمرار فيها ومعها ، والنهضة والإنبعاث من جديد ، مع إحتفاظنا بهويتنا الدينيّة والوطنية والقومية والفكرية والإجتماعية .


مسؤولية الآباء الـصابئة تجاه أبنائهم

باسم الحي العظيم
* إذا ماأنجبتم أطفالاً فخذوا على عاتقكم ، حالما يستطيع هؤلاء التمييز بين الصالح والطالح تعليمهم الصلاة والتسبيح ، ولكن هذين الواجبين المقدسين يجب أن يكونا خاليين من الخلط والتزوير .* إذا ماقمتم بواجبكم هذا على وجه صحيح وأرشدتم إياهم إلى طريق الفضيلة والإيمان غير إنهم إنصرفوا عن هذه الإرشادات إباءاً وإستنكاراً ولم يتبعوها فلا ذنب لكم ولا وزر عليكم .

 

حَرصَ الدين الصابئي على إقامة مجتمع صابئّي سليم ، تتجسّد فيه الأخوة الصادقة بين أفراده ، وتذلّل الصعاب أمامهم ، والمفروض أن تكون أحاسيس الصابئة ومشاعرهم متحّدة ومتساندة وغاياتهم واحدة ، هي خلق وتحقيق السعادة لهم ولأبنائهم ، وهذا ما يطلق عليه بالـتكافــل ، وهو على نوعين :

 

1 ـ التكافل الروحي 2 ـ التكافل المادي

 

وللتكافل المادي مظاهر ثلاث :

 

أولا : التكافل بين الفرد ونفسه .
ثانياً : التكافل بين الفرد وأسرته .
ثالثاً : التكافل بين الفرد ومجتمعه .

 

والفرد الصابئي هنا هو ولي الأمرللإبن [ أب كان أو أم ] ، وقيم عليه ، حتى تمتعه بالأهلية الشرعية و القانونية ، وعليه أن يلزم نفسه بما جاء به ديننا من أوامر ونواهي وهذا تكافل ما بين الصابئي ونفسه :

 

بسم الحي العظيم
* صوموا الصوم الكبير ، صوم القلب والعقل والضمير * لِتَـصُم عيونكم ، وأفواهكم ، وأيديكم .. لا تغمـُز ولا تلمز * لا تنظروا إلى الشر ولا تفعلوه * والباطل لا تسمعوه * ولا تنصتوا خلف الأبواب * ونزّهوا أفواهكم عن الكذب * والزيف لا تقربوه * أمسكوا قلوبكم عن الضغينة والحسد والتفرقة * أمسكوا أيديكم عن القتل والسرقة . * أمسكوا أجسادكم عن معاشرة أزواج غيركم ، فتلك هي النار المحرقة . * أمسكوا ركبكم عن السجود للشيطان ولأصنام الزيف .

 

رب الأسرة مطالب بالإلمام بأحكام دينه والمحافظة عليها في جو الأسرة وتربيتها على مبادئ الدين والأخلاق وعليه القيام برعاية أسرته وتربية أبناءه تربية صالحة لكي يكونوا لـَبِنات صالحة لبناء المجتمع الصابئي :

 

باسم الحي العظيم
*من أخطأ منكم فقوموه وأسندوه * فإن أخطأ ثانية فقومـّوه وأعينوه * فإن أخطأ ثالثة فأرشدوه ، والصلاة والتسبيح لله أسمعوه * فإن عصى واستكبر ، وأبى إلاّ المنكر ‘ فاجتثوا هذه الكرمة من الجذور ، وازرعوا مكانها كرمة تعرف طريق النور ، فقد قالوا له اسمع فلم يسمع . وأروه نور الله فلم يخشع ، فسقط في العذاب .

 

وقيل : [ كلكّم راعٍ ، وكلكم مسؤول عن رعيته ] ، وهذا تكافل ما بين الفرد وأسرته . ورب الأسرة الصابئي حارس لأخلاق أسرته وبالتالي هو حارس لأخلاق مجتمعه الصابئي ، والذي هو جزء من المجتمع الإنساني الكبير الذي يعيش فيه ، وهذا تكافل مابين الفرد والمجتمع . أما التكافل المادّي ، فقد حرص الدين الصابئي على إسعاد المجتمع الصابئي ، وتحقيق الرفاهية لأبنائه ، وإزالة الفوارق أياً كانت بينهم من خلال ماجاء به من مبادئ وأحكام :

 

* أحبوا لأصحابكم ما تحبّون لأنفسكم ، واكرهوا لهم ماتكرهون لها * وتزوّدوا لآخرتكم بالعمل الصالح .. فانظروا ، واسمعوا ، وآمنوا ‘ وتقبلّوا كلمات ربّكم.

إذن فالأب الصابئي مسؤول أمام الله الحي القيوم ونفسه وأسرته ومجتمعه عند تقصيره عن توجيه أبنائه وفق ماتقدم وذكرناه .

 

إنّ الدعوةَ لخلق جيل صابئي عقيدّي مؤمن لبناء الدين الصابئي من جديد في هذه الأرض ، هي فريضة شرعيّة وحتمية ، وضرورة إنسانيّة ، تقع على كل صابئي عاقل بالغ راشد كامل الأهلية الشرعية والقانونية من : [ رجال الدين أولاً ، ثم الآباء ثانياً ، ثم الأبناء ثالثاً ] .

 

وإن العمل على خلق جيل صابئيّ يحقق مجتمعاً صابئياً ليس من الصَعب ، لأنه مجتمع يتجاوب مع الفطرة الإنسانيّة ، ويرينا التأريخ قيام هذا المجتمع الصابئي منذ آلاف السنين ولحد الآن ، والذي حدث مرة يمكن أن يتكرر ويحدث مرات ، كيف لآ وهو أي المجتمع الصابئي يقوم على العقيدة الإلهيّة التي لايمكن للنفس البشرية أن تستغني عنها . ولا يتم ذلك إلاّ من خلال مايلي :

 

1 ـ تكوين جماعة صابئية خالصة مؤمنة ـ مرجعيتهّا الدين الصابئي ـ والتي يجب أن تتكّون من رجال دين عقيديّين ، مؤمنين ، واعين ، مدركين لإختيارهم مسارهم الشرعي والإنساني ، المكلفيّن به شرعاً ، والمفروض عليهم من قبل الله الحي المزكّى ، ومن الصابئة المثقفين والمتعلمّين ـ تلتف حول هذا الدين وتعيشه ، وتنطلق منه ، مجاهدة لنشره وإبلاغه لجميع الصابئة ، من الآباء والنشأ الجديد الذي هو عماد إستمرار أمتنا الصابئية ، والدعوة إليهم للإيمان بأحكامه ، وإن تكونت هذه الجماعة فدعوتها حتما تكون صاحبة حق فيما تدعيّه وتدعو إليه ، فهي تستمد قوتها من خالق هذا الدين ، الله الحي القيوّم ( مسبح اسمه ) ، وسيكون طريق هذه الجماعة هو طريق الخلاص الوحيد لأمتنّا الصابئية المهدّدة بالإنقراض ، دون بقية الأمم الأخرى .

 

ومن الصحيح جداً سيكون طريق هذه الجماعة طريق شاق ، مليئ بكل أنواع الأشواك ، وأعسَر ما في هذا الطريق ، هو أن نرتفع بتصوراتنا ، وأفكارنا ، وأخلاقنا ، وسلوكنا ، ثم بواقعنا إلى مستوى ما يريده منا هذا الدين الصابئي الحنيف ، وعلى العاملين من هذه الجماعة لخلق المسار الجديد ، أن يدركوا بكل ما يملكوه من وعي ، أن هذا المسار ، مفروش كما قلت بالمعاناة والآلام والعذاب والتضحية والبذل والإيثار ، وليعلموا علم اليقين أنهم لا ينتظرون ثناءً أو ثوابا من أحد ، وإنما الثواب والجزاء من الله الحي المزكىّ وحده :

 

طوبى للأخيار * ولخدام العهد الأبرار * للكاملين * للمؤمنين * طوبى للمؤمنين الكاملين * النائين .. عن رجس الشيطان .


وعن عمير بن حبيب يوصي إبنه :

وإذا أراد أحدكم أن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر فليوطنّ نفسه على الصبر على الأذى ،ويثق بالثواب من الله تعالى ، فإنه من وثق بالثواب من الله عز ّوجل ، لم يضرّه الناس

 

2 ـ أن يدرك رجال الدين الصابئة دورهم جيّداً ، كونهم مأمورين من قبل الله المهيمن القادر مسبح اسمه في العمل بشريعته ، وبيان احكامها ، ولذا فمهمتهم فقط الأخذ بالأسباب ، وليس لهم أن يحسبوا للنتائج حساباً ، فالنتائج بيد الله الحي القيّوم ، فالذي خلق الأسباب هو الذي خلق النتائج ، وهم أي [ رجال الدين ] كمن يتزوج لينجب أطفالاً ، قد يهبه الله لهم أو يحرمه . فوظيفتهم إذن إتباع منهاج الله الهيّي ربيّ ونصرة دينه الصابئي الحنيف ، وإعدادهم الوسائل بأنواعها والمفروضة عليهم ، فإن هم نصروا ديننا الصابئي ، فإن الله الحي حتما ينصرهم ويبارك أعمالهم .

 

3 ـ أن يكون مرجع التصوّر لرجال الدين عند قيادتهم هذه الجماعة في عملهم هذا ، مرجع نابع من روح ، وجوهر ، وأحكام الدين الصابئي الحنيف ، من حيث الأهداف والوسائل ، ومواجهة الظروف والأحداث .

 

باسم الحي العظيم
* أنا رسول النور * الملك الذي أتى من هَيلمَان النور * إلى هنا أتيت * وفي يدي الأشراق * أتيت والأشراق في يدي إلى هنا * يحيط بي السنا * والنور والتمجيد * أتيت بالصلاة والتعميد * والصوت والبلاغ * أنا رسول النور * أضأت كلّ خافق يملؤه الديجور .

 

4 ـ أن يتمتع رجل الدين لدى هذه الجماعة بوضوح الرؤية في الأهداف ، وإسلوب العمل ، ولواقعنا الآن ضمن المجتمع الإنساني الكبير . وعليه أن يعي أن عمله في الأصل والجذر واللبّ ، لافي الفرع والقشر ويعمل بما أوصاه به الله الحي القيوم :

 

باسم الحي العظيم
* إسمعوا واعملوا بما أوصيكم .. فإن لم تسمعوا ، او سمعتم ولم تعملوا ، ففي الظلمة التي وقع فيها الأشرار تقعون * إنهم باقون فيها لايصعدون .

 

5 ـ أن يُعنى رجال الدين من خلال هذه الجماعة بتربية الأبناء الصابئة ، بعد أن تنتشلهم من الواقع الذي هم فيه فتخلعهم من كل رواسب هذا الواقع في الفكر والشعور والسلوك ، ويحوّلوا المعاني النظرية في أذهانهم إلى مشاعر فياّضة تملأ القلب بحرارة العقيدة الصابئية ونور الإيمان بها ، وتدفع لتحقيق مدلولها في واقع الحياة .

 

باسم الحي العظيم
* إذا أصبحت ناصورائياً ، فكل فضيلة من فضائلك يُعين باهري الصدق .. إنك تعينهم بالإيمان ، والإستقامة والمعرفة ، والتعليم ، والحكمة ، والرجاء والصلاة ، والتسبيح ،والصدقة والطيبة ، والتواضع ، والإتقان ، والنقاء ، والرأفة ، والحنان والتبصر ، ومحبة الحق .

 

6 ـ أن يـُؤْثـِر رجل الدين من خلال هذه الجماعة ، الناحية العمليّة على الناحية النظريّة ، وأن لا يتحوّل الدين الصابئي والبحث فيه والوقوف على أحكامه ، وتبيان جوهر نصوصه إلى ترف فكري ، ومعرفة ذهنية محورها الجدل فقط :

 

بسم الحي العظيم
* أيها الصادقون . لا تقولون مالا تعرفون * ولا تدعوا الوحي فلا يوحى إلاّ العلي العظيم * سلحّوا نفوسكم بأمضى من الحديد : سلاح ناصروثا ، وكلمات ربكم الصادقة * ليشر بعضكم على بعض بالحسنى * إنكم كما تـُنْقِذون تـُنْقَذون . *ولا تكونوا كالنبت الردئ .. يشرب الماء ولا يـُعطي الثمر .

 

وقيل : [ ماضّل قوم بعد هدى كانوا عليه إلاّ آوتوا الجدل ].

 

7 ـ أن يتخذ ويوفرّ بل يخلق رجال الدين من خلال هذه الجَماعة مايستطيعوا من أسباب ، لإقامة مجتمع صابئي خالص داخل المجتمع الكبير الجديد ، ينمو ويترعرع ويتطوّر من خلاله دون أن يذوب فيه ، ويؤمن ـ أي المجتمع الصابئي ـ بما جاء به دينه الصابئي الموّحد من أحكام ، وعلى رجال الدين أن يدركوا تماما وبوعي تام ، إن الصدام لا مفر منه مع من لا يريد ذلك قطعا لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها الآن ، فعليهم الثبات على الطريق العقائدي الذي نذروا أرواحهم من أجله ، ولتعبيده بالدعوة له والإيمان به والإنتماء إليه . ولا يتمّ لهم ذلك إلاّ من خلال خلقهم للوسائل التي تحقّق ذلك وهي على سبيل المثال لا الحصـر ما يلي :

 

أولاً : منهاج فكري تربوي يتدارسون من خلاله ، الكتب الدينية الصابئية ، وما يتيسر ممـّا كُتِبَ عن الدين الصابئي من خلال متعلمّيه ومثقفيّه الصابئة ومن خلال غيرهم ، وكذلك الإطلاّع على الترجمات لكتبهم الدينية وتمحيصها ، ودراسة سيرة كل رمزٍ من رموز ديننا الصابئي ورجاله . وكذلك الإطلاع على الأديان الأخرى والنظريات الوضعيّة .

 

ثانياً : منهاج سليم في النظام والتنظيم لكل أبناء أمتنا الصابئية ، بغية إحتوائهم ، وخلق العلاقة التي تحقق بينهم وتجسد فيهم ، التعاون ، والمحّبة ، والإيثار ، والإنسجام ، والطاعة التامّة لقيادتهم المرجعية المتمثلنة برجال الدين والجماعة المتكونة من متعلمي ومثقفي أبناء ديننا الصابئي الحنيف .

 

ثالثاً : خطـّة جيدة تحتوي حاضر الصابئة وتخطـّط لمستقبلهم ، إن عدم وجود مثل هذه الخطـّة وهذا التخطيط كفيل بتحطيم أية جمَاعة على صخرة الواقع ، وعليه فلابدّ من دراسة الواقع بشكل دائم وإدراك قائم ، بصورة مستمرة وفهم تام . هذا ما فعله الأثريون .. فالنقص في من سواهم يكون ؟ . من ذا يُعيد فيهم النظام ؟ . ومن ينجيهم من النقص ويعيدهم إلى التمَام ؟ من يسمعهم صوت الحّي المقيم في بيت الدينونة ؟

 

أختم مقالي هذا بطلب الغفران من الله العلّي العظيم ، لي ولكم ولمن مات منا وهو على دينه الصابئي الحنيف :


باسم الله العظيم

أيها الزاكي المزكّى : أعفُ عنا ولا تحكم علينا . * نحن عبيد الخطايا .. عيوننا غمزت ، وأفواهنا لمزت ، وأيدينا همزت ، وآذاننا إلى الشر أصغت : ربنا تُب علينا ، وترفق بنا ، وخذ بيدينا ، وبرحمتك أحسن إلينا ، ولا تحكم ربنا علينا .

 

الـمراجع :
1 ـ الكتاب المقدس [ الكنزا ربا ] . 2 ـ أصول الصابئة المندائيين ، الأستاذ المفكرعزيز سباهي . ـ النهاية في غريب الحديث والأثر لإبن الأثير 4 ـ تأريخ الطبري 6 / 149. 5 ـ بن كثير 1 / 518 . ـ جامع البيان وفضله 1 / 216 . 7 ـ أعلام الموقعين 1 / 10 . 8 ـ أخلاق العلماء ، ص 28 و84 .9 ـ الصابئة في الأمس واليوم ، أستاذنا المفكّر عزيز سباهي ، الثقافة الجديدة ، العدد 216 . 10 ـ الفتح الكبير 3 /95 . 11 ـ الأوسط للطبراني ومجمع الزوائد 7 / 266 . 12 ـ صابئة حرّان وإخوان الصفا ، الأستاذ محمد عبد الحميد الحمد . 13 ـ فتح الباري لإبن حجر ، كتاب العتق ، ج 5 / 181 .


المحامي

عماد عبد الرحيم الماجدي

 

Last modified on الثلاثاء, 03 آذار/مارس 2015

عن الموقع

 المندائية موقع مندائي اخباري يختص بالقضايا المندائية الدينية والأجتماعية كما يوفر اخبار حول العالم يتيح للكتاب نشر مقالاتهم كما لا يتحمل الموقع أي مسؤولية قانونية عن دقة أوصحة أو شمولية  المعلومات الوارد 

تأسس الموقع سنة 2001 يضم الموقع العديد من الزوايا منها اول غرفة المندائية للمحادثة الصوتية, صفحة الأخبار،صفحة الكتاب,منوعات, كما انطلق من الموقع اول راديو مندائي على الأنترنت و نسعى جاهدين للأرجاع الخدمة
موقع الشبكة المندائية موقع محايد منما يميزة عن بقية المواقع على النت
تم انشاء الموقع ودعمة من قبل السيد ماجد حميد سعيد

 

رجال الدين المندائي